العلم جميعًا، فغاب أحدهما عن صاحبه مدة طويلة، ثم التقيا، فإذا هذا الغائب قد تغيرت [1] أحواله وتبدلت أخلاقه، فسأله صاحبه عن ذلك، فإذا هو قد تغلَّبت عليه دعايةُ الملحدين [2] الذين يدعون لنبذِ الدين ورفضِ ما جاء به المرسلون. فحاوله صاحبه وقلبه لعله يرجع عن هذا الانقلابِ الغريبِ فأعيته الحيلةُ في ذلك، وعرف أن ذلك علةٌ عظيمةٌ ومرضٌ يَفتقِرُ إلى استئصال الداء ومعالجته بأنفع الدواء وعرف أنَّ ذلك متوقفُ على معرفِة الأسباب [3] التي حولته والطرق التي أوصلته إلى الحالةِ المخيفةِ وإلى فحصِها وتمحيصِها وتخلِيصها وتوضيحها، ومقابلتِها بما يضادُها ويقمعُها على وجه الحكمةِ والسدادِ، فقال لصاحبه مستكشفًا له عن الحامل له على ذلك:
(1) كثير من الذين سافروا للخارج ولم يبحثوا عن المحضن الإسلامي وقعوا في شرك الأعداء ولذا لم تبتلى الأمة الإسلامية بمثل أولئك الذين سافروا للخارج فغسلت أدمغتهم ثم أتوا إلى بلادهم وهم أشد ما يكونون عداوة لدينهم ومبادئهم وبلادهم وعملوا جاهدين على تعميق فصل حاضر الأمة عن ماضيها ومحاولة ربطها بالغرب في كل شيء.
(2) حرص أعداء الإسلام على استقطاب ثلة من المثقفين وعرض بضاعتهم عليهم فمن أخذها منحوه أعلى الأوسمة ودفعوه فوق ما يستحق، بل وهيأوا له فوق ما يحلم به لأنه أداتهم التي عن طريقها يتحركون وعصاهم التي بها يضربون.
(3) كل من أراد بحث قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات وجب عليه بحث أسبابها ودراستها ثم وضع العلاج الناجع للقضاء على هذه الأسباب وبالتالي علاج المشكلة أو القضية من جذورها، وهذا ما فعله ابن سعدي في هذه المحاورة الرائعة.