ومع كثرةِ هذه الحلقات وكثرةِ هؤلاء الدارسين فيها اعتنى الشيخُ السعدي عناية فائقةً بالتأليف على غير عادةِ كثير من. علماءِ عصرِه اكتفوا بالحلقاتِ وتعليم التلاميذ لأن التأليف يأخذ منهم وقتًا طويلًا.
أما الشيخ السعدي فقد تركَ مؤلفاتٍ كثيرةً في مختلفِ العلومِ والمعارفِ سلك في تأليفِها طرقًا متعددةً من أنجحِهَا وأنفعِها طريق الحوارِ المفترض بين اثنين يمثلان وجهتي نظرٍ متعارضتين، وهذا اللونُ من التأليفِ أبدعَ فيه ابن سعدي وقرَّبَ فيه مسائل كثيرةً لذهنِ السامعِ والقارىء قد لا يستوعبهُا في التأليفِ المعتادِ.
لقد استطاع الشيخُ -رحمهُ الله - أن يصلَ إلى عقلِ القارئ بكُلِّ يُسرٍ وسهولةِ، وهذه المحاورةُ التي بين أيدينا تمثل نمطًا جديدًا من الكتابةِ طَرَقَه ابنُ سعدي قبل ما يقرب من نصفِ قرنٍ من الزمانِ.
وهذه المحاورةُ اللطيفةُ الهادئةُ جمعت بين قوةِ الحجةِ ووضوحِ المحجةِ وسلامةِ المنهجِ، وبُعدِ النظرِ والبحث عن الأسبابِ وعلاجها ثم الوصول إلى الثمرةِ المرجوةِ، كل ذلك في صفحاتٍ يسيرةِ لا تتجاوزُ العشرين صفحة، فرحِمَ الله ابنَ سعدي وأعلى منزلتَه في المهديين وجمعنا به في جناتِ النعيمِ.
خطر الإقامة بين الكفار [1] :
(1) جميع العناوين زيادة من المحقق وليست في الأصل.