ثم إذا عطفنا النظَّرَ إلى الطَّوارئ البشريةِ التي لا بُدَّ لِكُلِّ عبدٍ منها، وهي المصيبات التي تعتري العبادَ: من الأمراضِ المتنوعةِ وموتِ الأحبةِ وفقدِ الأموالِ ونقصِها وُوُقوعِ المكارِهِ بمن تحب وزوال المحاب، وغيرها من أنواع المصائب، دَقِيقِها وجَلِيلِها، رأيتَ المؤمنَ حقًا قد تلقَّاهَا بِقُّوةٍ وصبرٍ واحتِسَابٍ، وقد قام لها بارتقاب الأجْرِ والثَّوابِ، وعَلمَ أنَّها تقدير العزيز العليم، وأَنَّها أقضِيَتهُ صدرت من الرَّب الرَّحيم، فَهان عَليهِ أمرُها وخَفَّتْ عَلَيهِ وَطْأَتهُا فإنّه إذَا فكّر فيما فيها من الآلام الشَّاقَّةِ قابَلَها بما تَتَضمنُهُ من تكَفِير السيَّئاتِ وتكثيرِ الحسنات ورِفعة الدَّرجات والتَّخلقِ بأخلاق الكِرَام والقوة والشجاعة، وإذا أنَهكَتْ بَدنَه ومالهَ رآهَا مصلحةً لقلبِه وروحِه، فَإنَّ صلاح القُلوبِ بالشُّكرِ لله على نعمائه والصَّبْرِ على بَلائِه، وانتظار الفرج من الله إذا أَلمَّت المُلمَّاتُ، واللجوء إلى الله عِنْدَ جَميعِ المُزعجَاتِ المقُلقاتِ. فأَقَل الأحْوالِ عندَ هذا المؤمن أنْ تتقابلَ عندَهُ المصَائِبُ والمَحَّابُ والأفراحُ والأتَراحُ، وقدْ تَصِلُ الحالُ بِخَواصِ المؤمنين إلى أنَّ أفراحَهم [1] ومسرَّاتِهم عند المصيباتِ تَزيدُ على ما يحصُلُ فيها من الحزنِ والكَدَرِ الذي جُبِلتْ علَيه النُّفُوسُ.
"من فقد الإيمان فقد الصبر"
(1) "عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". رواه مسلم (صحيح مسلم ج3 ص 229) .