الصفحة 22 من 33

وأما من استَعمَل هَذه النِّعم على وجهِ الشَّرَه والغَفلَةِ، ولم يفكر في الاعترَاف بفضلِ الله في كلِ الأوقاتِ وبِنعَمِ الله، ولم يَفرح بالنِّعمِ لأنها من فضلِ الله بل فرح بها فقط لموافقةِ عرضه النفسي ولا نوى بها الاستعانَة على طاعةِ الله، ولا احتسب في نيِلها [1] وصرفِها على المنفق عليهم الأجرَ والثَّوابَ فمن كان هذا وصفه فإن الكَدرَ والحزنَ له بالمرصادِ، فإنه إذا فاتته بعضُ الشهواتِ النفسيةِ حزَنَ، وإن أدركَ ما أدركه منها ولم يكُن على ما في خاطره من كل وجه حزن، وإن أراد منه ولده ومن يتصل به نفقةً أو كِسوةً واجبة أو مستحبة حزن، ولم تخرج منه إلا بِشقِّ الأنفِس، وإن خرجت منه خَرَجَ معها بضعةٌ من سُرور قَلبِه، لأنَّه يُحبُّ بقاءَ مالِه ويحَزَنُ لنَقْصِه على أي وَجْهٍ كان وليس عنده من الاحتسابِ ما يُهَوِّنُ عليه الأمرَ، إنْ كانَ غير بخيل، فإن كانَ شحيحَ النفسِ مطبوعًا على البُخلِ فإن حياته مع أولاده وأهلِه والمتصِّلين به حياةُ شقاءٍ وعذاب وأكدار متواصلة وأحزان مستمرة، لا إيمان عنده يُهَوِّن عليه النفقاتِ، ولا نفس سخية لا تستعصي عن نيل المكرمات فيا له من عذاب حاضر وعذاب مستمر، فأين هذا من ذاك الذي حصلت له الحياةُ الطَيِّبَةُ بأكملها.

هذا كله بالنَّظرِ إلى هذه الأمُورِ الثَّلاثَة التي هي أصل اللذاتِ عند العقلاءِ، قد اتضح لنا أن صاحب الإيمان الصحيح هو الذي فاز باللذات الحقيقية وسَلَمَ من المكدِّراتِ.

"صبر المؤمنين على المصائب"

(1) قال الشاعر:"ابن عثيمين":

ونسعى لجمع المال حلا ومأثما ... وبالرغم يحويه البعيد وأقرب

نحاسب عنه داخلا ثم خارجا ... وفيما صرفناه ومن أين يكسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت