وأما الأمرُ الثَّالثُ: وهو جهةُ استِعمَالِ هَذه النِّعم، فصَاحِب الدِّين الصحيحِ يتناولها على وجهِ الشُّكرِ لله على نِعَمه والفرحِ بِفَضِله، وينوى بها التَقَوِّي على ما خُلِق له من عبادة الله وطاعتِهِ، ويُنفقُها مُحتَسِبا بها رضَى الله وفَضله وخَلَفه العَاجِل والآجل، ويعلم أنَّه إذا أنفَقَ على نَفسِه وأهلِه أو ولَدِه أو مَن يتصل به فإنَّما نَفَقَته صَادفت محَلها ووقَعَت موقعَها فلم يتَثَاقل كَثَرة النَّفقةِ في هَذا الطَّريق لأنه يُقولُ مُعتَقِدا: هَذا أولَى ما بَذَلتُ فيه مَالي، وهَذا ألزَم ما قُمتُ به من الواجِبَاتِ والفُروضِ [1] ، وهَذا خير ما قُمتُ بِه من المُستَحَبات، وهَذا أعظَم ما أرجو لَه الخلف مِن الله حَيثُ يقولُ وهو الكريمُ الوفي:
(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خيرُ الرازقين) . سورة سبأ، الآية: 39.
ولا يَزال نَصبَ عَينَيه احتِسَاب الأجرِ في سَعيه بكَسبه وفي مَصرفه أجنَاس ذلكَ وأنوَاعه وأفرَاده متفَطنًا لِقوله - صلى الله عليه وسلم -"عَلى أنَّكَ لَن تُنفِقَ نَفَقَة تَبتَغِي بها وَجهَ الله إلا أُجِرتَ عَليها حَتى مَا تَجعَله في فيِّ امرأتِكَ" [2] فَمن كانَ هذا وَصفه فإنَّ لذَّاته الدنيَويَة هي اللذَّات الحَقيقِية السَّالِمة من الأكدارِ مَع ما يرجو من الثوابِ العَاجِل والآجِلِ من الله، ومن كَانت هَذه صِفَته سَهل عَليه الأخذ من جُلِّها ووضعها في مَحَلها ويسرَت لَه أموره غَايَة التَيسِير.
(1) يقول تعالى: (قُل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين) . الأنعام (162/ 163) .
(2) رواه البخاري ومسلم (صحيح البخاري ج3 ص 186، وصحيح مسلم ج2 ص 125) .