ولأنه لو حمل على الحقيقة للزم منه دخول كل أم الجنة ، ودخول كل ولد بار الجنة ولو كان كافرًا ، وهذا من المعلوم قطعًا أنه غير مراد ، فضعف قياس حديث الروضة عليه .
فإن قيل: ألا يلزم هذا في الروضة - أيضًا - ؛ فإن الكافر قد يدخلها ، ولم يرد ما يدل على منعها من دخولها كونًا ؟ فالجواب أن هناك فرقًا بين الحديثين ؛ إذ حديث الأم ليس له إلا حال واحدة ، بخلاف الروضة فإن لها حالين باعتبارها في الدنيا متصفة بصفاتها ، وباعتبارها في الآخرة إذا عادت إلى الجنة واتصفت بصفاتها .
ويؤيد هذا أن آدم أهبط من الجنة ، ولم يقل أحد أنه متصف بصفات أهل الجنة في الآخرة ، ومن يدخل الجنة من بني آدم هو الآن غير متصف بأوصاف أهل الجنة ، وهذا كله يدل على أن هذه اللفظة على حقيقتها .
وحديث"وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ ، إِنِّي - أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ"، وحديث < إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي > لا يصح التنظير عليهما ؛ لكونهما محل اختلاف هل هما على سبيل الحقيقة أو المجاز (1)
(انظر: فتح الباري( 6/ 28 ) للحديث الأول ، وللثاني و ( 4/ 244 ) . )
والجواب عن قولهم:"إن حمله على الحقيقة يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات"هو أن يقال: إن هذا مبني على مسألة ، وهي عدم التفريق بين هذه القطعة في حال كونها في دار الدنيا واتصفت بصفاتها ، وبينها في حال كونها في الجنة متصفة بصفاتها (2)
(انظر: إكمال إكمال المعلم( 3/ 476 ) ، وفاء الوفا ( 2/ 431 ) ، شرح سنن النسائي للشنقيطي ( ص 1426 ) . )
والصواب أن بينهما فرقًا ، كما تقدم بيانه .
المبحث الرابع: سبب تخصيص هذه البقعة
ذكر غير واحد من أهل العمل أنه لم يثبت خبر عن بقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هذه البقعة (3)
(انظر: إعلام الساجد بأحكام المساجد( ص 251 ) شرح الزرقاني على مختصر خليل ( 3/ 106 ) ، حاشية الرهوني على شرح الزرقاني على مختصر خليل ( 3/ 129 ) ، عون الباري ( 2/ 238 ) ، أقرب المسالك إلى موطأ الإِمام مالك ص 177 ، الرحلة الحجازية والرياض الأنسية ص 23 ، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ( 2/ 33 ) . )
قال أبو الخطاب ابن دحية:"وفيها - أي المدينة -"
(1) انظر: فتح الباري ( 6/28 ) للحديث الأول ، وللثاني و ( 4/244 ) .
(2) انظر: إكمال إكمال المعلم ( 3/476 ) ، وفاء الوفا ( 2/431 ) ، شرح سنن النسائي للشنقيطي ( ص 1426 ) .
(3) انظر: إعلام الساجد بأحكام المساجد ( ص 251 ) شرح الزرقاني على مختصر خليل ( 3/106 ) ، حاشية الرهوني على شرح الزرقاني على مختصر خليل ( 3/129 ) ، عون الباري ( 2/238 ) ، أقرب المسالك إلى موطأ الإِمام مالك ص 177 ، الرحلة الحجازية والرياض الأنسية ص 23 ، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ( 2/33 ) .