النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَيُؤْمِنُوا بِمَا أُرْسِلْتُ بِهِ - فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللَّوَازِمَ كُلَّهَا هِيَ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا هِيَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَنَّ أَمْوَالَهُنَّ فِي الْكُفْرِ مَغْنُومَةٌ كَأَمْوَالِ الرِّجَالِ ; فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُنَّ لَا يَعْصِمْنَ دِمَاءَهُنَّ وَأَمْوَالَهُنَّ إلَّا بِمَا يَعْصِمُ الرِّجَالُ بِهِ أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، أَوْ الْجِزْيَةِ إنْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: شُرْبُ الدَّمِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: أَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ وُجِدَ يَاكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَقَالَ: اشْتَهَيْتُهُ - أَوْ مَرَّتْ بِهِ بَدَنَةٌ فَنَحَرَهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ - أَوْ امْرَأَةٌ أَفْطَرَتْ فِي رَمَضَانَ - أَوْ أَصَابَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا - أَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مُتَعَمِّدًا - أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فَتَرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ فَذَكَرَ جُمْلَةً؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ اللَّهُ نَسِيًّا، لَوْ شَاءَ لَجَعَلَ ذَلِكَ شَيْئًا يُسَمِّيه، مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ - ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا عَاوَدَ ذَلِكَ: فَلْيُنَكَّلْ - وَذَكَرَ الَّذِي قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَاَلَّذِي أَصَابَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: إذَا أَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بِهِ - إلَى مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: إذَا كَانَ فَاسِقًا مِنْ الْفُسَّاقِ: نُكِّلَ نَكَالًا مُوجِعًا، وَيُكَفِّرْ أَيْضًا - وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ انْتِحَالًا لِدِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ: حَدٌّ كَحَدِّ الْخَمْرِ. وَاَلَّذِي نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمْ، وَأَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُعَزَّرُ فَقَطْ. فَهَذِهِ فِي الْخِنْزِيرِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ فِيهِ: الْحَدُّ كَحَدِّ الْخَمْرِ - وَقَوْلٌ فِيهِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ أَصْلًا - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - وَأَوَّلُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ - وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ. وَقَوْلَةٌ خَامِسَةٌ: أَنَّهُ يُعَزَّرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَنَظَرْنَا فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا؟ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شَيْئًا إلَّا الْقِيَاسَ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَمْرُ مَطْعُومَةً مُحَرَّمَةً، فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَطْعُومٍ مُحَرَّمٍ، فِيهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ كَالْخَمْرِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا - وَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ. فِي الْعَالَمِ إنْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا مَا. وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَمْ يَفْرِضْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى فَرْضِهِ فَصَارَ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ. وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إنَّمَا فُرِضَتْ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى السُّكْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْقَذْفُ. فَأَمَّا الْفِرْقَةُ الَّتِي قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَضَ حَدَّ الْخَمْرِ، فَمِنْ أَصْلِهِمْ أَنْ يُقَاسَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ يَقِيسُونَ مَسَّ الدُّبُرِ عَلَى مَسِّ الذَّكَرِ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ فَرْجٌ؟ وَلَا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ، فَإِنَّ قِيَاسَ شُرْبِ الدَّمِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِ الدُّبُرِ عَلَى الذَّكَرِ؟ وَكُلُّهُمْ يَقِيسُونَ حُكْمَ مَاءِ الْوَرْدِ، وَالْعَسَلِ، تَمُوتُ فِيهِ الْفَارَةُ، أَوْ الْقَطَاةُ، فَلَا تُغَيِّرُ مِنْهُ لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا، عَلَى السَّمْنِ تَمُوتُ فِيهِ الْفَارَةُ - وَقِيَاسُ