فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 592

الجزئية- وهي ليست بالهينة- يختلف موقف الأستاذ المودودي عن موقف الخوارج .. فلقد كان رفض الواقع الحضاري والفكري والسياسي هو منطلقا للحكم"بالجاهلية"و"بالكفر"على المجتمعات المسلمة، حاليا وتاريخيا، ولقد التزم هذا المنطلق، فرأينا جرأته في تكفير الدول والمجتمعات التي لا تطبق"الحاكمية الالهية""والشريعة الإسلامية والفروض الاجتماعية- حتى لو كانت"فروعا"في السياسة والاجتماع والاقتصاد .. ووجدنا، مع هذه الجرأة تحرجا في تكفير الأفراد بارتكاب المعاصي، كبيرة كانت أو صغيرة، طالما هم"مؤمنون"يترجم"الإسلام"عن"الإيمان"الذي في القلوب."

فالمنطلق السياسي والحضاري لفكرة"التكفير"نقطة اتفاق بين المودودي والخوارج .. وتأسيس"التكفير"على غيبة"الحاكمية الالهية"جامع يجمع بينه وبينهم- وذلك رغم نقده لهم- لكن التحرج من تكفير الأفراد العصاة هو الذي يميز موقفه عن موقفهم في هذا الموضع .. وذلك رغم بعض عباراته وصياغاته"القلقة"، و"المطاطة"- بخصوص الحكم على عقيدة الفرد- التي تبلغ في قلقها حد امكانية استخدامها دليلا على تكفير الفرد إذا ارتكب معصية في"الفروض الاجتماعية"!.

لقد نظر المودودي إلى الإسلام تحت هيمنة الحضارة الغربية الجاهلية، التي خلعت سلطانه القانوني، وأحلت محله، فلسفة قانونها الوضعي وتشريعاتها التي لا تتسق مع الشريعة في كثير من المبادىء والأصول .. نظر إلى هذا الواقع فرأى"أن دين الله قد رزىء وغلب على أمره بيد الكفر وأهله، وأن حدود الله ما انتهكت واعتدي عليها فحسب، بل انها تكاد تنعدم من الوجود لأجل غلبة الكفر، وأن شريعة الله قد أهملت ونبذت وراء الظهور، لا عملا فقط، بل بموجب القانون أيضا، وأن أرض الله قد اعتلت فيها كلمة أعداء الله". فالكفر، هنا هو الحضارة الغربية المادية الإلحادية، غلبت وغلب أهلها- أعداء الله- على الإسلام وشريعته وأمته وحضارته. إنه حكم ذو طابع حضاري وسياسي وقومي ووطني، يواجه به المودودي هيمنة الغرب"الاستعمارية- الحضارية"مواجهة ترفض هذه الهيمنة رفضا جذريا.

المجتمعات والافراد

والمجتمعات التي استعاضت عن حاكمية الله كما تمثلت في شريعته بفلسفة الغرب القانونية وتشريعاته الوضعية، لا يمكن، بنظر الأستاذ المودودي، أن تكون إسلامية بحال من الأحوال .."فلعمر الحق، لا يمكن لإنسان- ما لم يكن مصابا في عقله- أن يتصور كون أحد من المجتمعات في الدنيا إسلاميا على الرغم من اختياره منهاجا غير منهاج الإسلام لحياته .. والدول والحكومات التي تقوم على مبادىء غير إسلامية، لا يمكن تسميتها"حكومات ودولا إسلامية"لمجرد أن حاكمها كان مسلما .. اذ لا دخل للإسلام فيها ولا صلة .. فإذا جاء أحد المجتمعات، على بصيرة منه وبإرادته الحرة، يقرر أن الشريعة لم تعد منهاجا لحياته، وأنه سوف يضع المنهاج لحياته بنفسه أو يقتبسه من مصدر غير مصدرها، فليس ثمة سبب لنطلق عليه كلمة"المجتمع الإسلامي"أبدا!."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت