بعد أن ذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم والأئمة الظاهرة الدلالة في كون الجهاد لم يشرع - أساسًا - إلا لتحقيق عبودية الله في أرضه، نذكر إيرادًا ذهب إليه البعض معارضة لهذا الأصل الأصيل والركن الركين، ونبين بحول الله وقوته ضعفه وعدم خروجه عما نحن فيه فضلًا عن معارضته، وهذا الإيراد هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو عسكر كثير الفجور فإنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر، فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه) . اهـ [50]
ونقول - ولله الحمد أولًا وآخرًا - هذا الإيراد مدفوع من وجوه:
أولًا:
أن شيخ الإسلام رحمه الله يتكلم عن الغزو مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور، أي أن القضية قضية ذنوب وآثام، وإن كانت من الكبائر والفواحش، وهذا مما لا خلاف فيه، إلا أن ابن تيمية لم يذكر من قريب أو بعيد مقارفة الشرك والوقوع في الكفر، وهذا هو الذي يعنينا إذ هو المخالف لتحقيق العبودية لله رب العالمين.
وقد قال ابن تيمية نفسه: (فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحد إلا الله فلا يدعو غيره ولا يصلى لغيره، ولا يسجد لغيره ولا يصوم لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته، ولا يذبح القرابين إلا له ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه ولا يتقى إلا إياه) [51] .
ثانيًا:
أن المراد بقوله:"إقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها"، الأحكام العملية، إذ هي وحدها التي تتحمل التبعيض والتجزئة دون أصل الدين من تحقيق التوحيد بإخلاص العبادة لله، والبراءة من عبادة ما سواه فبعد تحقيق هذا الأصل يكون الأمر سهلًا في إقامة الشرائع.