كما أنه يجب على كل مسلم أن يحقق الشهادة بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، ويكون بأن نعتقد ذلك بقلوبنا، ونعترف به بألسنتنا، ونطبق ذلك في متابعته صلى الله عليه وسلم بجوارحنا، فنعمل بهدية، ويكون عملنا لله جلَّ وعلا وليس للنبي صلى الله عليه وسلم.
أما ما ينقص تحقيق هذه الشهادة فهو:
1 -فعل المعاصي، وذلك لأن في فعل المعصية خروج عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
2 -الابتداع في الدين ما ليس منه، لأن في ذلك تقرب إلى الله بما لم يشرعه الله ورسوله.
وفي هذا الحديث فائدة عظيمة وفضل عظيم، إذ يُبيِّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا يُدخل الموحِّدين الجنة على ما كان من العمل، وإدخال الجنة ينقسم إلى قسمين:
1 -إدخال كامل لم يُسبق بعذاب لمن أتمَّ العمل.
2 -إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل.
وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال الله تعالى: يا أبن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا: لأتيتك بقرابها مغفرة".
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" (رواه الشيخان) .
ولكلمة التوحيد أثر عظيم عند الموت:
يقول ابن القيم رحمه الله: لِشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها، لأنها شهادة من عبد موقن بها، عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات، ولانت نفسه المتمردة، وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقبلت بعد إعراضها، وذلَّت بعد عزِّها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها، واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذلَّ ما كانت له وأرجى ما كانت لعَفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه، فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه، فَوَجَّه العبد وَجْهَهُ بِكلِّيَّتِه إليه، وأقبل بقلبه وروحه وهمِّه عليه، فاستسلم له وحده ظاهرًا وباطنًا، واستوى سره وعلانيته، فقال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه، قد خرجت الدنيا كلها من قلبه، وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قلبه من الآخرة، فصارت نصب عينيه، وصارت الدنيا وراء ظهره، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله، فطهَّرته من ذنوبه، وأدخلته على ربه، لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها.
فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة، لاستوحش من الدنيا وأهلها، وفرَّ إلى الله من الناس، وأنس به دون ما سواه، لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات، وحب الحياة وأسبابها، ونفس
مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله، فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي.
وأقوال أهل العلم في ذلك أكثر من أن تُحصى، ولذلك فإنه يجب على كل مسلم أن يتقي الله عز وجل، وأن يعلم أن الله كما أنه غفورٌ رحيم، فهو جل وعلا شديد العقاب، كما قال سبحانه"نبِّئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم" (الحجر:49 - 50) .
هذا والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم/علي حسين الفيلكاوي