وقال بعضهم: عطف واتق على عامل إياك المحذوف وجوبا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم.
وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم، ولكنه عمم إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقا.
قوله: (حجاب) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا"دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه"وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابا يحجبه عن الناس.
وقال الطيبي: قوله"اتق دعوة المظلوم"تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله"فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلما فلا يحجب، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.
قال ابن العربي: إلا أنه وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله.
وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى (أم من يجيب المضطر إذا دعاه) بقوله تعالى (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) وفي الحديث أيضا الدعاء إلى التوحيد قبل القتال، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها، وفيه بعث السعاة لأخذ الزكاة، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله"من أغنيائهم"قاله عياض وفيه بحث، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم، وأن الفقير لا زكاة عليه، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من حيث أنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه فهو غني والغني مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثني، قال ابن دقيق العيد: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وقد تقدم أنه قول الحنفية.
وقال البغوي فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال وفيه نظر أيضا.
(تكميل) : لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان.
وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكر الصوم والحح في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع انتهى.
وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ابن عمر"بني الإسلام على خمس"فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة