إبرامه ونقضه، وواجبات الإمام والرعية فيه مفصلة، كأنها صيغ العقود التي يتحرى فيها الموثقون غاية التوكيد والتقييد، منعا للإغلال والإسلال، كما جاء في أول عهد بين الإسلام والمشركين.
فإن القارئ المسلم حين يمر بذلك السخف المضحك في بواكير القانون الدولي عند القوم، ليحس كأنه على مشهد من ألعاب أطفال، يتواصون فيما بينهم على كتمان أسرارهم عن كبارهم؛ لأن هؤلاء الكبار الخبثاء أغرار لا أمان لهم على تلك الأسرار [6] !
إن المسلمين هم أول من وضع معالم القانون الدولي، بل فصل شرائعه وأحكامه، تفصيلا لم تعرفه الدنيا إلا بعد قرون. ولم تصل إلى ما وصل إليه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
ويعتبر كثير من الغربيين الباحثين في العلاقات الدولية أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني -صاحب الإمام أبي حنيفة ومدون مذهبه- هو بحق أول واضع للقانون الدولي بما كتبه ودونه في هذا الجانب، خاصة كتابه (السير الكبير) الذي شرحه الشارحون، وعلق عليه المعلقون.
الشيخ محمد الغزالي: حديث مظلوم
ولقد تعرض شيخنا الشيخ محمد الغزالي لهذا الحديث، وبين المقصود منه، فكتب تحت عنوان (حديث مظلوم) يقول:
(حديث يعطي معناه للوهلة الأولى حكما لم يقل به الفقهاء، ومن ثم فإن قبوله مطلقا أو رفضه مطلقا لا يجوز! والواجب استبانة معناه الحقيقي كما قرره الراسخون في العلم.
والحديث من رواية البخاري (ومسلم أيضا) "أمرت أن أقاتل الناس"فقد طارت أذهان إلى أن كلمة (الناس) تعني البشر كلهم!.
وهذا غلط بإجماع العلماء، فإنهم اتفقوا على أن الحديث لا يتناول أهل الكتاب من يهود ونصارى.
لماذا؟ لأن المعتدين من هؤلاء إذا ضربت الحرب بيننا وبينهم، ونسوا منطق الإيمان والحلال والحرام في تصديهم لنا، لم نقاتلهم حتى ينطقوا بالشهادتين، بل إذا كسر الله شوكتهم بقوا على أديانهم، وجردناهم من أسلحة العدوان وتولينا نحن الدفاع عنهم إذا هاجمهم أحد.
وعليهم - والحالة هذه- أن يسهموا في نفقات الحرب.
وهذه ما أبانته سورة براءة:
"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29) .
فليست الغاية من القتال إذن أن يقولوا: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث.
فإذا كان أهل الكتاب مستثنَيْن من الحديث المذكور، فهل يتناول الوثنيين كلهم؟ والجواب: لا! ففي حديث آخر صحيح إلحاق للمجوس بأهل الكتاب"سنوا بهم سنة أهل الكتاب".