أينما ثقفوا أخذوا الآية [الآحزاب: 61] فعلم أنهم كانوا يفعلون أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها أقبلوا عليها في المستقبل لما أعز الله دينه و نصر رسوله
فحيث ما كان للمنافق ظهور و تخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه علمنا بآية: {دع أذاهم} [الأحزاب: 48] كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم و الصفح و حيث ما حصل القوة و العز خوطبنا بقوله: {جاهد الكفار و المنافقين} [التوبة: 73]
فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله عليه الصلاة و السلام إذا لا نسخ بعده و لم ندع أن الحكم تغير بعده لتغير المصلحة من غير وحي نزل فإن هذا تصرف في الشريعة و تحويل لها بالرأي و دعوى أن الحكم المطلق كان لمعنى و قد زال و هو غير جائز كما قد نسبوا ذلك إلى من قال: [إن حكم المؤلفة انقطع و لم يأت على انقطاعه بكتاب و لا سنة سوى ادعاء تغير المصلحة]
و يدل على المسألة ما روى أبو إدريس قال: [أتي علي رضي الله عنه بناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة العدول قال: فقتلهم و لم يستتبهم قال و أتي برجل كان نصرانيا و أسلم ثم رجع عن الإسلام قال: فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه فقيل له: كيف تستتيب هذا و لم تستتب أولئك؟ قال: إن هذا أقر بما كان منه و إن أولئك لم يقروا و جحدوا حتى قامت عليهم البينة فلذلك لم أستتبهم] رواه الإمام أحمد
و روي عن أبي إدريس قال: أتي علي برجل قد تنصر فاستتابة فأبى أن يتوب فقتله و أتي برهط يصلون القبلة و هم زنادقة و قد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا و قالوا: ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم و لم يستتبهم ثم قال: أتدرون لم استتبت هذا النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه و أما الزنادقة الذي قامت عليهم البينة و جحدوني فإنما قتلهم لأنهم جحدوا و قامت عليهم البينة
فهذا من أمير المؤمنين علي بيان أن كل زنديق كتم زندقته و جحدها حتى قامت عليه البينة قتل و لم يستتب و أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقتل من جحد زندقته من المنافقين لعدم قيام البينة
و يدل على ذلك: قوله تعالى: {و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة ـ إلى قوله ـ و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا} [التوبة: 102] فعلم أن من لم يعترف بذنبه كان من المنافقين و لهذا الحديث قال الإمام أحمد في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: [ليست له توبة إنما التوبة لمن اعترف فأما من جحد فلا توبة له] قال القاضي أبو يعلي و غيره: [و إذا اعترف بالزندقة ثم تاب قبلت توبته]
لأنه باعترافه يخرج عن حد الزندقة لأن الزنديق هو الذي يستبطن الكفر و لا يظهره فإذا اعترف به ثم تاب خرج عن حده فلهذا قبلنا توبته و لهذا لم يقبل علي رضي الله عنه توبة الزنادقة لما جحدوا
و قد يستدل على المسألة بقوله تعالى: {و ليست التوبة للذين يعملون السيئات} الآية [النساء: 18] و روى الإمام أحمد بإسناده عن أبي العالية في قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون