فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 592

الْمَدِينَةِ وَالْعُزَّى: كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ عَرَفَاتٍ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنَاةُ: كَانَتْ بِالطَّائِفِ لِثَقِيفِ وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ أَمْصَارُ أَرْضِ الْحِجَازِ. أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ أَسْمَاءً ابْتَدَعُوهَا: لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ أَسْمَاءً لَا مُسَمَّيَاتِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُسَمَّى مِنْ الْأُلُوهِيَّةِ وَلَا الْعِزَّةِ وَلَا التَّقْدِيرِ شَيْءٌ وَلَمَّا يُنَزِّلْ اللَّهُ سُلْطَانًا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ؛ إنْ يَتَّبِعْ الْمُشْرِكُونَ إلَّا ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا؛ فِي أَنَّهَا آلِهَةٌ تَنْفَعُ وَتَضُرُّ وَيَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِهِمْ. وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ أَنَّهُمْ إذَا عَبَدُوا أَهْوَاءَهُمْ فَقَدْ عَبَدُوا اللَّهَ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ إمَامِ الْأَئِمَّةِ وَخَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَخَيْرِ الْبَرِيَّةِ - بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} {يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ} - إلَى قَوْلِهِ - {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} فَنَهَاهُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَ الْأَوْثَانَ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا. وَعَلَى زَعْمِ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ - فَمَا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ - فَيَكُونُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْذَقُ طَوَاغِيتِهِمْ الْفَاجِرُ التلمساني فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: - يَا عَاذِلِي أَنْتَ تَنْهَانِي وَتَامُرُنِي وَالْوَجْدُ أَصْدَقُ نهاء وَأَمَّارِ فَإِنْ أُطِعْك وَأَعْصِ الْوَجْدَ عُدْت عَمًى عَنْ الْعِيَانِ إلَى أَوْهَامِ أَخْبَارِ وَعَيْنُ مَا أَنْتَ تَدْعُونِي إلَيْهِ إذَا حَقَّقْته تَرَهُ الْمَنْهِيَّ يَا جَارِي وَقَدّ قَالَ أَيْضًا إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ مُجَلَّى إلَهِيٌّ يَنْبَغِي تَعْظِيمُهُ وَمَنْ عَبَدَهُ فَمَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ وَلَيْسَ الشَّيْطَانُ غَيْرَ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَعْصِيَهُ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} إلَى قَوْلِهِ: {تَعْقِلُونَ} فَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ وَعِنْدَهُمْ عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ هِيَ عِبَادَتُهُ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ الشَّيْطَانُ وَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ فَإِنَّهَا عَيْنُهُ. وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا عَنْ إمَامِ الْخَلَائِقِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَمَّا: {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} - إلَى قَوْلِهِ - {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَقَالَ أَيْضًا: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} {إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} . الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} - إلَى قَوْلِهِ - {إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} . فَهَذَا الْخَلِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ بِأَمْرِهِ؛ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: {إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} . وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِي أَشْرَكُوهُ: هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ لَيْسَ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنْ اللَّهِ الَّذِي وَجَّهَ وَجْهَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت