)أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْزُقْ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا أَعْطَى أَحَدًا شَيْئًا وَلَا رَحِمَ أَحَدًا وَلَا أَحْسَنَ إلَى أَحَدٍ وَلَا هَدَى أَحَدًا. وَلَا أَنْعَمَ عَلَى أَحَدٍ نِعْمَةً وَلَا عَلَّمَ أَحَدًا عِلْمًا وَلَا عَلَّمَ أَحَدًا الْبَيَانَ وَعِنْدَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ: لَمْ يَصِلْ مِنْهُ إلَى أَحَدٍ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ وَلَا نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ وَلَا عَطَاءٌ وَلَا مَنْعٌ وَلَا هُدًى وَلَا إضْلَالٌ أَصْلًا. وَأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ جَمِيعَهَا عَيْنُ نَفْسِهِ وَمَحْضُ وُجُودِهِ فَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرٌ يَصِلُ إلَيْهِ وَلَا أَحَدٌ سِوَاهُ يَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا عَبْدٌ يَكُونُ مَرْزُوقًا أَوْ مَنْصُورًا أَوْ مَهْدِيًّا. ثُمَّ عَلَى رَايِ صَاحِبِ الْفُصُوصِ: أَنَّ هَذِهِ الذَّوَاتَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ وَالذَّوَاتِ هِيَ أَحْسَنَتْ وَأَسَاءَتْ وَنَفَعَتْ وَضَرَّتْ وَهَذَا عِنْدَهُ سِرُّ الْقَدَرِ. وَعَلَى رَايِ الْبَاقِينَ مَا ثَمَّ ذَاتٌ ثَابِتَةٌ غَيْرُهُ أَصْلًا بَلْ هُوَ ذَامٌّ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَقَاتِلُ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمَرْزُوقُ الْمَضْرُوبُ الْمَشْتُومُ وَهُوَ النَّاكِحُ وَالْمَنْكُوحُ وَالْآكِلُ وَالْمَاكُولُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ تَصْرِيحًا بَيِّنًا. (الرَّابِعُ) أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَخْضَعُ وَيَعْبُدُ وَيَصُومُ وَيَجُوعُ وَيَقُومُ وَيَنَامُ وَتُصِيبُهُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ وَتَبْتَلِيهِ الْأَعْدَاءُ وَيُصِيبُهُ الْبَلَاءُ وَتَشْتَدُّ بِهِ اللَّاوَاءُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ؛ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ كُلَّ كَرْبٍ يُصِيبُ النُّفُوسَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُصِيبُهُ الْكَرْبُ وَأَنَّهُ إذَا نَفَّسَ الْكَرْبَ فَإِنَّمَا يَتَنَفَّسُ عَنْهُ وَلِهَذَا كَرِهَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ - الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَكْفَرِ خَلْقِ اللَّهِ وَأَعْظَمِهِمْ نِفَاقًا وَإِلْحَادًا وَعُتُوًّا عَلَى اللَّهِ وَعِنَادًا - أَنْ يَصْبِرَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْبَلَاءِ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ هُوَ الْمُصَابُ الْمُبْتَلِي. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ فَإِنَّهُ مَا ثَمَّ مَنْ يَتَّصِفُ بِالنَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ غَيْرُهُ؛ فَكُلُّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ وَكُفْرٍ وَفُسُوقٍ فِي الْعَالَمِ: فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِهِ لَا مُتَّصِفَ بِهِ غَيْرُهُ؛ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا فِي الْوُجُودِ. ثُمَّ صَاحِبُ الْفُصُوصِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْعَدَمِ وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَا ثَمَّ سِوَى وُجُودِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْمَعَايِبِ وَالْمَثَالِبِ. (الْخَامِسُ) أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى. وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقُ وَنَسْرًا وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الشِّعْرَى وَالنَّجْمَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ. وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ وَسَائِرُ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ: مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَبَنِيَّ إسْرَائِيلَ وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ: مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْلِ صَاحِبِ الْفُصُوصِ فِي فَصِّ الْكَلِمَةِ النوحية. {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ لِأَنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ {أَدْعُو إلَى اللَّهِ} فَهَذَا عَيْنُ الْمَكْرِ {عَلَى بَصِيرَةٍ} فَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ كُلَّهُ فَأَجَابُوهُ مَكْرًا كَمَا دَعَاهُمْ - إلَى أَنْ قَالَ - فَقَالُوا فِي مَكْرِهِمْ: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . فإنهم إذَا تَرَكُوهُمْ جَهِلُوا مِنْ الْحَقِّ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ وَجْهًا خَاصًّا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُ وَيَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَهُ فِي الْمُحَمَّدِيِّينَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} أَيْ حَكَمَ فَالْعَالِمُ يَعْلَمُ مَنْ عَبَدَ وَفِي أَيِّ صُورَةِ ظَهَرَ حَتَّى عَبَدَ وَأَنَّ التَّفْرِيقَ وَالْكَثْرَةَ كَالْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ وَكَالْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ فِي الصُّورَةِ الرُّوحَانِيَّةِ. فَمَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ؛ فَالْأَدْنَى مَنْ تَخَيَّلَ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ فَلَوْلَا هَذَا التَّخَيُّلُ مَا عُبِدَ الْحَجَرُ وَلَا غَيْرُهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ سَمُّوهُمْ} فَلَوْ سَمَّوْهُمْ لَسَمَّوْهُمْ حَجَرًا وَشَجَرًا وَكَوْكَبًا. وَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: مَنْ عَبَدْتُمْ؟ لَقَالُوا: إلَهًا وَاحِدًا مَا