فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 592

(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: دَوَامُ كَوْنِهِ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ وَلَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى مَا يَشَاؤُهُ بِمَشِيئَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد. إلَى أَنْ قَالَ: وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كَانَ فَمَضَى فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ {وَكَانَ اللَّهُ} {وَكَانَ اللَّهُ} فَإِنَّهُ يُجِلُّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ لَمْ يُجِلَّهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَكَانَ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ. رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ مُسْنَدًا مَوْصُولًا وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِهِ وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ عَبْدٍ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى تَنَازُعِ النَّاسِ فِي"مَسْأَلَةِ الْقُدْرَةِ". وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ لِلَّهِ قُدْرَةً وَلَا يُثْبِتُهُ قَادِرًا فالجهمية وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُجَبِّرَةُ وَالنَّافِيَةُ: حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا وَلَيْسَ لَهُ الْمُلْكُ فَإِنَّ الْمُلْكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُدْرَةَ؛ أَوْ الْمَقْدُورَ؛ أَوْ كِلَاهُمَا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ؛ فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ الْقُدْرَةَ حَقِيقَةً لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مُلْكًا؛ كَمَا لَا يُثْبِتُونَ لَهُ حَمْدًا. إلَى أَنْ قَالَ: وَ (أَيْضًا فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ: الْقَيُّومُ الصَّمَدُ الْوَاجِبُ الْوُجُودُ بِنَفَسِهِ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ؛ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ الْمُمْكِنِ الْمُحْدَثِ الْمُفْتَقِرِ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ؛ وَالْقَيُّومُ الصَّمَدُ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ؛ إلَى أَنْ قَالَ: وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ؛ وَعَدْلُهُ إحْسَانٌ إلَى خَلْقِهِ فَكُلُّ مَا خَلَقَهُ فَهُوَ إحْسَانٌ إلَى عِبَادِهِ وَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ أَنْوَاعًا مِنْ مَقْدُورَاتِهِ؛ ثُمَّ قَالَ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَنْعُمَ مِثْلُ إهْلَاكِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَنَصْرِهِ لِلرُّسُلِ؛ وَتَحْقِيقِ مَا جَاءُوا بِهِ وَإِنَّ السَّعَادَةَ فِي مُتَابَعَتِهِمْ وَالشَّقَاوَةَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ هُوَ مِنْ آلَائِهِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى تَوْحِيدِهِ وَقُدْرَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ وَذِكْرُ الرَّبِّ. وَهَذِهِ النِّعْمَةُ أَفْضَلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَكُلُّ مَخْلُوقٍ يُعِينُ عَلَيْهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهَا هَذَا مَعَ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْمَنَافِعِ لِعِبَادِهِ غَيْرِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} لِمَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ الْآيَةِ وَقَالَ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} وَالْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَنُعُوتِهِ وَمَعَانِي أَسْمَائِهِ فَهِيَ آلَاءُ آيَاتٍ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ آلَائِهِ فَهُوَ مِنْ آيَاتِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ آيَاتِهِ فَهُوَ مِنْ آلَائِهِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيفَ وَالْهِدَايَةَ وَالدَّلَالَةَ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى. وَقُدْرَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ وَدِينُهُ. وَالْهُدَى أَفْضَلُ النِّعَمِ. وَ (أَيْضًا فَفِيهَا نِعَمٌ وَمَنَافِعُ لِعِبَادِهِ؛ غَيْرِ الِاسْتِدْلَالِ: كَمَا فِي خَلْقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِنْ آيَاتِهِ وَفِيهَا نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ غَيْرِ الِاسْتِدْلَالِ فَهِيَ تُوجِبُ الشُّكْرَ لِمَا فِيهَا مِنْ النِّعَمِ وَتُوجِبُ التَّذَكُّرَ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ. قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} وَقَالَ: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} فَإِنَّ الْعَبْدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت