هُنَاكَ إطْلَاقٌ يَكُونُ لَهُ اقْتِضَاءٌ وَلَا هُنَاكَ لَفْظٌ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسْتَثْنَى وَلَا هُنَاكَ مُسْتَثْنًى مَنْفِيٌّ. وَأَيْضًا مِنْ مَفَاسِدِ هَذَا جَعْلُ عَامَّةِ الْقُرْآنِ مَجَازًا كَمَا صَنَّفَ بَعْضُهُمْ مَجَازَاتِ الْقِرَاءَاتِ وَكَمَا يُكْثِرُونَ مِنْ تَسْمِيَةِ آيَاتِ الْقُرْآنِ مَجَازًا وَذَلِكَ يُفْهَمُ وَيُوهِمُ الْمَعَانِيَ الْفَاسِدَةَ هَذَا إذَا كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعَانِي صَحِيحًا فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ مَا لَيْسَ بِمَجَازِ مَجَازًا؟ وَيَنْفُونَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَعَانِي الثَّابِتَةِ وَيُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ كَمَا وُجِدَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَسِّعِينَ فِي الْمَجَازِ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَيْفَ وَالْمَجَازُ وَالْحَقِيقَةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ؟. فَيُقَالُ: أَوَّلًا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ بَلْ كَثِيرًا مَا تَجْعَلُونَ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ اسْمًا لِلْمَعْنَى فَتَقُولُونَ: حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ كَذَا وَمَجَازُهُ كَذَا؛ وَتَقُولُونَ حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ فَتَجْعَلُونَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ تَارَةً وَمِنْ عَوَارِضِ الْمَعْنَى أُخْرَى وَقَدْ تَجْعَلُونَهُ مِنْ عَوَارِضِ الِاسْتِعْمَالِ فَيُقَالُ: اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ وَفِي هَذَا مَجَازٌ. ثُمَّ يُقَالُ: لَا ضَابِطَ لِهَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ مَنْ يَجْعَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ حَقِيقَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَجَازًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا جَمِيعًا كَمَا قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْعُمُومِ وَالْأَمْرُ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ: هُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ تَنَاقُضَ هَذَا الْأَصْلِ. ثُمَّ يُقَالُ: هَبْ أَنَّ هَذَا مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَوَارِضِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ فَقَوْلُك: هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ صِفَةً لِلْمَجْمُوعِ: بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَدُلّ قَطُّ إلَّا بِقَرَائِنَ مَعْنَوِيَّةٍ وَهُوَ كَوْنُ الْمُتَكَلِّمِ عَاقِلًا لَهُ عَادَةً بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِعَادَتِهِ وَالْمُسْتَمِعُ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَهَذِهِ كُلُّهَا قَرَائِنُ مَعْنَوِيَّةٌ تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَلَا يَدُلُّ اللَّفْظُ إلَّا مَعَهَا. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ مَعَ تَجَرُّدِهِ عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ الْعَقْلِيَّةِ: غَلَطٌ. الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: أَنْتَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ: فَإِنَّ الْعَامِلَ الْمَخْصُوصَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْبَدَلِ إنَّمَا اقْتَرَنَ بِهِ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ؛ وَقَدْ جَعَلْته مَجَازًا وَأَيْضًا فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ خَالِدًا سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أَسَدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَمَا مَثَّلْت بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ظَهْرِ الطَّرِيقِ؛ وَمَتْنِهِ هِيَ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ بِهَا عُرِفَ الْمَعْنَى وَهُوَ عِنْدَك مَجَازٌ. الثَّالِثُ: أَنْ نَقُولَ: اُذْكُرْ لَنَا ضَابِطًا مِنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَالْقَرَائِنِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مَجَازًا فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لَا سَبِيلَ لَك إلَيْهِ؛ لِبُطْلَانِ الْفَرْقِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى قَرِينَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ فَلَوْ قِيلَ لَك: الْحَقِيقَةُ اسْمٌ لِنَفْسِ اللَّفْظِ لَكَانَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْقَرِينَةُ لَفْظِيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً وَلَفْظُ الْحَقِيقَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْمُ اللَّفْظِ لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَك: أَنَا أَجْعَلُ لَك لَفْظَ الْحَقِيقَةِ اسْمًا لِلَّفْظِ وَلِمَا اقْتَرَنَ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ لَك جَوَابٌ عَنْ هَذَا إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَجْعَلُهُ اسْمًا لِلَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ دُونَ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ مَعَك إلَّا مُجَرَّدُ تَحَكُّمٍ قَابَلْت بِهِ تَحَكُّمًا وَلَيْسَ تَحَكُّمُك أَوْلَى فَكَيْفَ تَجْعَلُ ذَلِكَ حُجَّةً مَعْنَوِيَّةً عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ خَصْمِك؟ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ"بِالْوَجْهِ السَّادِسِ": وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُك: كَيْفَ وَأَنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ صِفَةً لِلْمَجْمُوعِ؟ لَيْسَ