بِشَيْءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجَاوِزُ قِرَاءَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قَضَى لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: {يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: {يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي فَتُلْهِمَ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ} . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحرورية. بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْن مِنْ أُمَّتِهِ وَأَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَلَمْ يُحَرِّضْ إلَّا عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَفَارَقُوا الْجَمَاعَةَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ. فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يُقَاتِلُ مَنْ خَرَجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَأَمَّا حُجَّةُ النفاة الَّتِي ذَكَرَهَا فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظٌ مَجَازِيٌّ فَإِمَّا أَنْ يُقَيَّدَ مَعْنَاهُ بِقَرِينَةٍ؛ أَوْ لَا يُقَيَّدَ بِقَرِينَةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَعَ الْقَرِينَةِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَانَ مَعَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ أَيْضًا حَقِيقَةٌ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلَّا مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْإِفَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ. ثُمَّ قَالَ: قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُفِيدُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهْرَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ إلَّا هَذَا وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ كَيْفَ وَأَنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ؟ فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ صِفَةً لِلْمَجْمُوعِ. فَيُقَالُ: هُوَ قَدْ سَلَّمَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ فَيُقَالُ: إذَا كَانَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَهَذَا التَّفْرِيقُ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ؛ وَلَا أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ؛ وَلَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ وَلَا السَّلَفُ: كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِهَا وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَوْلَى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِاصْطِلَاحِ حَادِثٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَإِذَا كَانَ فِيهِ مَفَاسِدُ كَانَ يَنْبَغِي تَرْكُهُ لَوْ كَانَ الْفَرْقُ مَعْقُولًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْفَرْقُ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَفِيهِ مَفَاسِدُ شَرْعِيَّةٌ وَهُوَ إحْدَاثٌ فِي اللُّغَةِ كَانَ بَاطِلًا عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً. أَمَّا الْعَقْلُ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ هَذَا عَنْ هَذَا وَأَمَّا الشَّرْعُ فَإِنَّ فِيهِ مَفَاسِدَ يُوجِبُ الشَّرْعُ إزَالَتَهَا وَأَمَّا اللُّغَةُ فَلِأَنَّ تَغْيِيرَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ بَلْ مَعَ وُجُودِ الْمَفْسَدَةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الْمَفَاسِدُ؟ قِيلَ: مِنْ الْمَفَاسِدِ أَنَّ لَفْظَ الْمَجَازِ الْمُقَابِلِ لِلْحَقِيقَةِ سَوَاءٌ جُعِلَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَوْ مِنْ عَوَارِضِ الِاسْتِعْمَالِ يُفْهِمُ وَيُوهِمُ نَقْصَ دَرَجَةِ الْمَجَازِ عَنْ دَرَجَةِ الْحَقِيقَةِ لَا سِيَّمَا وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ صِحَّةُ إطْلَاقِ نَفْيِهِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِرَحِيمِ وَلَا بِرَحْمَنِ؛ لَا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازٌ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلِقُونَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ وَقَالَ:"لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الآمدي مِنْ أَنَّ الْعُمُومَ الْمَخْصُوصَ مَجَازٌ وَقَالَ مِنْ جِهَةِ مُنَازِعِهِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ:"لَا إلَهَ"تَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ يَكُونُ كُفْرًا وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ. وَهُوَ قَوْلُهُ:"إلَّا اللَّهُ"كَانَ إيمَانًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتَ طَالِقٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً بِتَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ: كَانَ تَعْلِيقًا