الْعُهُودَ الْمُطْلَقَةَ وَأَبْقَى الْمُؤَقَّتَةَ مَا دَامَ أَهْلُهَا مُوفِينَ بِالْعَهْدِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ وَأَنْظَرَ الَّذِينَ نَبَذَ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَمَرَ عِنْدَ انْسِلَاخِهَا بِغَزْوِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً قَالُوا: فَدَانَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ كَافَّةً بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْضَ بَذْلَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ الدِّينِ بَعْدَ ظُهُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ مَا يَصْبِرُونَ لِأَجْلِهِ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ إذْ كَانَ عَامَّةُ الْعَرَبِ قَدْ أَسْلَمُوا فَلَمْ يَبْقَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عِزٌّ يَعْتَزُّونَ بِهِ فَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ أَظْهَرَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ؛ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} مُرَادُهُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ أَذِنَ اللَّهُ فِي قِتَالِهِمْ لَمْ يُرِدْ قِتَالَ الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ عَهْدِهِمْ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نُزُولِ"بَرَاءَةٌ"يُعَاهِدُ مَنْ عَاهَدَهُ مِنْ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَةٌ وَأَمَرَهُ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاهِدَهُمْ كَمَا كَانَ يُعَاهِدَهُمْ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْجَمِيعَ كَمَا قَالَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وكان دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ خَيْرًا مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَمَعَ هَذَا فَأُمِرُوا بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَا تَجُوزُ مُعَاهَدَتُهُمْ كَمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ فَالْمُشْرِكُونَ أَوْلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا تَجُوزَ مُعَاهَدَتُهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ. قَالُوا: فَكَانَ فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى تَرْكِ مُعَاهَدَةِ الْمُشْرِكِينَ بِدُونِ الصَّغَارِ وَالْجِزْيَةِ؛ كَمَا كَانَ يُعَاهِدُهُمْ فِي مِثْلِ هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاهَدَاتِ. قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ بريدة قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوَا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اُغْزُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا} . قَالُوا: فَفِي الْحَدِيثِ أَمْرُهُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ الْكُفَّارَ إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْأَمْصَارِ وَإِلَّا فَإِلَى أَدَاءِ