فلذلك أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن توحيده، وتحقيقه لعبودية الله وحده، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن أبن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: (( إنك تقدم قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله - وفي رواية أن يوحدوا الله - فإن هم أجابوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم. . ) )، فلم يدعوهم بداية إلى الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع الإسلام، ولكن أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده.
قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} .
والطاغوت لغة: كل ما زاد عن حده، قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} أي عندما زاد الماء عن حده حملناكم في السفينة.
والطاغوت اصطلاحا: هو كل ما عبد من دون الله، وهو راض بالعبادة.
وتتنوع أشكال الطاغوت، فتارة يكون الطاغوت صنما، وتارة قبرا أو إنسانا أو قانونا، ولقد كانوا في الجاهلية الأولى يعبدون الأصنام ويذبحون عندها ويدعونها، وجاء بعدهم من عبد القبور فيذبحون لها ويتبركون بها ويتخذونها آلهة وأربابا تعبد من دون الله، ولكن ابتلي الناس في هذا العصر باتخاذهم لونا آخر من الآلهة يعبدونها، وهي طاعة أشخاص تابعوهم بالتحريم والتحليل، فيشرعون لهم ما يوافق أهواءهم، فيحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال، فمن تابعهم على ذلك اتخذهم أربابا من دون الله، قال تعالى: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) .
روى الإمام أحمد وغيره عن عدي بن حاتم - كان نصرانيا ثم أسلم: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قول الله عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، فقال: يا رسول الله ما عبدوهم - وكان يظن أن العبادة إنما هي الركوع والسجود - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألم يكونوا يحلوا لهم الحرام ويحرموا عليهم الحلال فيتبعونهم؟ ) )قال: نعم، قال: (( فتلك عبادتهم ) ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، إن علموا أنهم بدلوا دين الله فتابعوهم على التبديل فهذا كفر، فقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون ويسجدون لهم) . أهـ
ويقول في موضع آخر: (ومتى ترك العلم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله، كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة) . اهـ
قال تعالى: {المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ، ويقول تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلونكم وإن