أيها القاضي بغير ما أنزل الله:
تعلم أن خلاصة دعوتنا متمثلة بقوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ، فإن أول وأهم ما افترض الله على عباده تعلمه والعمل به هو التوحيد - أي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله - قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، قال المفسرون: أي ليوحدوني وحدي .
وقد تظنون أيها القضاة أن العبادة إنما هي الصلاة والصيام والزكاة فقط، فتقولون: نحن نعبد الله، وهل ترانا نعبد غيره ؟! فنصلي ونسجد ونصوم ونذبح لله !،
فأقول لكم:
إن العبادة ليست كما تفهمونها بهذا الفهم الضيق، بل هي أوسع واشمل مما تظنون، فكلمة التوحيد التي خلق الله من اجلها الخلق وأرسل الرسل وأنزلت عليهم الكتب هي:"لا إله إلا الله".
وتنقسم إلى شقين:
شق النفي، وهو"لا إله"أي لا معبود بحق سوى الله، فتنفي الإلوهية عن غير الله، فلا يعبد غيره في صيام ولا صلاة ولا حج ولا تشريع .
والشق الآخر، الإثبات، وهو: إلا الله"أي إثبات الإلوهية لله وحده، فلا يطاع غيره في كل كبيرة وصغيرة ."
فجاءت هذه الكلمة العظيمة - كلمة التوحيد - التي لا ينجو العبد من النار إلا بتحقيقها وبالإتيان بشروطها ومقتضياتها، فقول الله عز وجل: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } جاءت مفسرة لهذه الكلمة العظيمة، فقوله: { فمن يكفر بالطاغوت } أي ينفي الإلوهية والعبودية عن غير الله، وقوله: { يؤمن بالله } إقرار وإثبات لعبودية الله وحده
وقد ضمن الله لمن آمن به وحده وكفر بالطاغوت بأنه المتمسك بالعروة الوثقى، تلك العروة التي لا نجاة إلا بالتشبث بها، فالصلاة عروة والزكاة عروة والحج عروة وأعمال البر عرى كلها، ولكن من تمسك بأي عروة من هذه العرى ولم يستمسك بعروة التوحيد، لا شك أنها تنفصم ولن تنفعه عند الله، قال تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } لأنها لم تؤسس على التوحيد الخالص، قال تعالى: { وجوه يؤمئذ خاشعة عاملة ناصبة } .
مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا ؟ قال: ذكرت قوله عز وجل: { عاملة ناصبة تصلى نارا حامية } فذاك الذي أبكاني، عملت كثيرا ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارا حامية .