فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 417

استبدالهم بمن يكون أولى منهم وأجدر وأحقُّ بفضل الله. فتعيَّنَ شرعًا وعقلًا وواقعًا كونُ القتالِ قدر الطائفةِ المنصورة.

إن أصحاب الطائفة المنصورة من أكثر الناس مراعاةً لفقه مراتب الأعمال، فهم إذا ثبت في حقهم من الفروض العينيات؛ فإنهم لا يقدمون بين يديه شيئًا من فروض الكفايات فضلًا عن غيره من المستحبات والمباحات. وبيان ذلك فيما يتعلق بشأن الجهاد والقتال؛ أن الجهاد في أصله فرضٌ كفائِي، فإذا قام به من تتحقّقُ بهم الكفاية سقط الوجوب عن الآخرين، والفضل فيه لمن قام به دون غيره. ولذا كان الاشتغال به حال كونه فرض كفاية مشروطًا بأن لا يضيِّع العبد فرضَ عين أو فرض كفاية أهمَّ منه في حقه إن وجد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- (قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مؤمن يجاهد بنفسه وماله".) قال ابن حجر:"وكأن المرد بالمؤمن من قام بما تعين عليه ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ يظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي"ا. هـ.

ويتعين الجهادُ عند أهل الطائفة المنصورة في مواضع ثلاث:

أولًا: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.

ثانيًا: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير

ثالثًا: إذا نزل العدو ببلدٍ من بلدان المسلمين تعين على أهل هذه البلدة الجهاد، ويتعين على غيرهم من المسلمين عند عدم قيام أهل هذه البلدة بواجبهم في دفع هذا العدو أو عدم كفاية من قام بذلك الأقرب فالأقرب.

والحالةُ الثالثة من حالات تعين الجهاد هي أشد الحالات الثلاث، وألزمُها، كما أنها متضمنةٌ للحالتين الأوليين وزيادة. وتعرف بالنفير العام.

قال أبو بكرٍ الجصاص رحمه الله:"معلومٌ في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكفّ عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة"ا. هـ.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلادُ الإسلام بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليها بلا إذن والدٍ ولا غريم"ا. هـ.

ونصوصُ العلماء في تقرير الفرضية العينية للجهاد في حالة نزول العدو ببلد من بلدان المسلمين كثيرةٌ جدا يصدق بعضها بعضًا، لا يختلف علماء الإسلام المحققون في هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت