فإذا تعين الجهاد فهو مقدمٌ عند أهل الطائفة المنصورة على غيره من النوافل، كما أنه مقدمٌ على غيره من الواجبات الكفائية أيًّا كانت بلا أدنى نزاع، بل ومقدم على غيره من الواجبات العينية عند عدم إمكان الجمع بينه وبينها وهذا مقررٌ من الوجوه الآتية:
الوجه الأول: أن الجهاد إذا تعين فتاركه فاسقٌ مرتكبٌ كبير.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . فقوله تعالى"إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ"دالٌ على توجه الوعيد الشديد في حق القادر على الجهاد التارك له عند تعينه.
قال القرطبي رحمه الله:"وهذا تهديد شديد، ووعيد مؤكد في ترك النفير"
قال ابن العربي:"ومن محققات الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثرَ من اقتضاء الفعل، فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر، ولا يقتضيه الاقتضاء، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه؛ كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا، كما ورد في هذه الآية، فوجب بمقتضاها النفيرُ إلى الجهاد، والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم، على أن تكون كلمةُ الله هي العليا"ا.هـ.
وقد وردت هذه الآيات في حق من استنفرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لقتال الروم في غزوة تبوك بعيدًا عن بلاد المسلمين وبيضتهم، فكيف بمن قعد عن الجهاد عند نزول العدو بلاد المسلمين ذاتها، وحلولهم بالعُقر من الديار، واستباحتهم للبيضة، والاستيلاء عليها.
ومن علامات الكبائر التي نص عليها الأئمة أن يرد فيها وعيد في الآخرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما:"الكبائر كل ذنب ختمه الله في نار أو غضب أو لعنة أو عذاب". قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى:"الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمئة؛ ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربين دار الإسلام أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم، وأيضًا ترك الناس الجهاد من أصله، وأيضًا ترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين. ثم قال عدُّ هذه الثلاثة ظاهر -أي من الكبائر- لأن كل واحد منها يحصل به من الفساد العائد على الإسلام وأهله ما لا يتدارك صرفه، وعليها يحمل ما في هذه الآية والأحاديث من الوعيد الشديد. فتأمل ذلك فإني لم أر أحدًا تعرض لعدِّ ذلك مع ظهوره"ا.هـ.
إذا تبين ذلك، فإذا تعين الجهاد؛ فتاركه القادر عليه مرتكب كبيرة، فاسق أشد فسقًا من الزاني والسارق والشارب، حيث خذل الدين، وأسلم البلاد والعباد لأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مع ما يترتب على ذلك من الفساد المتعدي.