والدعة، أو حبًّا للدنيا وتثاقلًا للأرض، أو ركونًا للذين ظلموا؛ فقد خان الرسالةَ، وضيع الأمانة، ومن ثمّ خرج عن حد العلم الشريف ورسمه، وفارق تلك القافلة المباركة؛ قافلة العلم الشريف التي يقف على رأسها الأنبياءُ والمرسلون، فأما أن ينتظمه رسمهم أو يشمله حدهم أو أن يجمعه وإياهم وصفٌ واحد. ولمثل هذا يقال: لست والله عالمًا أو حكيمًا، إنما أنت تاجرٌ في العلوم، فبغير القتال تبقى الفتنة، وهيهات أن يكون الدين كله لله. ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله:"وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرضٌ آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام، وأداء الفرائض، وفي ترك الجهاد غلبة العدو، ودروسُ الدين وذهابُ الإسلام"ا.هـ.
فإذا قعد أهلُ الحقِّ عن نصرة الحق، ودفعِ الباطل، وإزالتِهِ بسيوفهم، جهلًا منهم بمعاني الحق ومقتضياته ولوازمه، أو غفلة منهم عن حقيقةِ الصراع، وعن طبيعة الباطل وصفته، أو استسلامًا لقراءَةٍ فاسدةٍ في نواميس الكون وسننه الإلهية، أو خداعًا بأوهام وأمانيَّ باطلة، أو خضوعًا لمتاهاتٍ نظرية، وفلسفاتٍ جدلية، وأطروحاتٍ إنشائية، تدورُ في حَلَقة مفرغة تبدأ من حيث انتهت، وتنتهي من حيث بدأت. أو خوَرًا وضعفًا، وعجزًا عن القيامِ بالقتال وتحمُّلِ أعبائِه -فإن سننَ الله لا تُحابي أحدًا أيًّا كان، ومن ثم فليس غير الذل والهوان وفتنة المسلمين عن دينهم مع تبدُّل أحكام الدين وطمس معالمه، وتغيير حقائقه والتلاعب بها. وغير ذلك من العقوبات القدرية التي تنزل بمن خذل الحقّ وأسلمه، وهذا فضلًا عن وعيدِ الآخرة.
قال تعالى: ( إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
قال ابن العربي رحمه الله:"هذا تهديدٌ شديد، و وعيد مؤكد في ترك النفير، فوجب بمقتضاها النفيرُ للجهاد، والخروجُ إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا، فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا لاستيلاء العدو على من لم يستول عليه، وبالنارِ في الآخرة. وزيادة على ذلك استبدال غيركم، كما قال تعالى ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) "ا.هـ.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما ترك قومٌ الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب". والعذاب، كما هو ظاهرٌ من النصوص، هو عذابُ الدنيا بالذل والهوان والصغار الذي يُضرب على البلاد والعباد، وهو بعدُ عذابُ الآخرة الذي لا يقارن، به ولا يدانيه عذاب الدنيا و بئس المصير.
فإذا لم يكن لأهل الكفر مع أهل الإيمان غيرُ خيارين اثنينِ لا ثالث لهما: إما الفتنةُ عن الدين، وإما السيف. فإنه كذلك ليس لشرع الله مع المؤمنين غير خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لأمره بقتال الكفر ودفعه بحد السيف، وإما التعرض لعذاب الله وغضبه وسخطه في الدنيا والآخرة، مع