نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وسيوفُ المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة، كما قال جابر بن عبد الله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من خرج عن هذا ـ يعني المصحف ) ا.هـ.
ومن ثم فالإسلام يُسجل تاريخ عزِّهِ، ويسطر صفحات مجده أهلُ العلم المجاهدون، ولقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وهم من سجلوا مجد صدر هذه الأمة علماءً دعاةً مجاهدين لم يُقْعِدهم العلمُ عن الدعوةِ والجهاد، بل كان علمهم وجهادهم متلاحمين متمازجين أعظمَ ما يكون التلاحم والتمازج. فكان المجد في أعقابهم، والعزُّ في إثرهم، وكان علمُهم حجة لهم لا عليهم. وهكذا كان دور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان أملهم هداية الخلق إلى الحق مع تقويم من أعرض وتعدى، لا عملَ لهم في حقيقةِ الأمر إلا هذا. فلما توفي صلى الله عليه وسلم خرجت جموع الصحابةِ لقتال من ارتدّ من العرب عن الإسلام، ثم ما لبثوا أن انتشروا في الآفاق دعاةً مجاهدين يبلغون الإسلام بسيوفهم وبيانهم.
ولقد حضَرَ حجَّةَ الوداع مع الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة ألف من الصحابة رضي الله عنهم، بينما المدفونون في البقيع منهم لا يجاوز عددهم المئتين وخمسين صحابيًّا، أما الكثرة الكاثرة فقد قضوا نحبهم في بلاد الله البعيدة جهادًا في سبيل هذا الدين وتمكينًا له في الأرض...!
قال الإمامُ الأوزاعي رحمه الله:"كان يقال؛ خمسٌ كان عليها أصحابُ محمد والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله"ا.هـ.
ولقد سار على نهج الصحابة واقتفى أثرهم بين العلم والدعوة والجهاد أئمة الطائفة المنصورة التابعونَ لهُم بإِحسانٍ ليبرهنوا على عظمة هذا الدين في صنعِ الرِّجال، وأنها عظمة تتجاوز حدودَ الزمانِ والمكان. فما أروعَ أن يُسَجِّل العالِمُ مجدَ الإسلام وعزَّهُ بمداده ودمه، والنماذج هنا كثيرةٌ جدا يضيق المقام بذكرها.
فهذا الإمام العلم سيد التابعين سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- أحد فقهاءِ المدينة السبعة خرج إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنَّك عليل!. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل. فإن لم يمكنني الحرب كثَّرتُ السواد، وحفظتُ المتاع.
وقال العزي في ترجمة المحدث الكبير أبي إسحاق الفزاري -رحمه الله- قال:"كان ثقةً صاحبَ سنة، صالحًا، هو الذي أدَّب أهل الثغر وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغرَ رجلٌ مبتدعٌ أخرجه".