فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 417

وقد اتخذ جهادُ أهل الحق للباطل أشكالًا متنوعة، وصورًا متعددة، فتارة يكونُ بالقلم والبيان، وهو جهاد أهل الحق للمنافقين وأهل الزيغ والمبتدعين؛ بكشف خبيئتهم، وتبيين باطلهم، وزيفِ مذهبهم. قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) .

وتارةً يكون بالسيف والسنان، وهو جهادُ أهل الحق للكفرة والمرتدين؛ حتى يدخلوا في الإسلام، أو يخضعوا ويُذعنوا لحكمه. قال تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) . وقال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ) .

وأهلُ الحق يمارسون الجهاد بنوعيه؛ جهادَ البنان، وجهادَ السنان. ولكنهم يوقنون أن هذا الحق الذي يحملونه لا بد له من درع يحميه، وقوة تنصره وتسانده، وإلا فَقَدَ محله من العقول وتأثيره في القلوب مهما كانت حججه قاطعة وبراهينه ساطعة. ولهذا أمر اللهُ سبحانه أهلَ الحقِّ بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من التحرش بأهل الحق والتعدي عليهم. قال تعالى: ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) .

ولهذا كان دينُ الله الحق يقومُ على الكتابِ و السيف، فالإسلامُ دين الحق لا يقوم إلا على ساقين؛ علمٍ وجهاد، فإذا اختل أحدهما؛ اضطرب حبله وفسد نظامه وتمكن منه أعداؤه يفعلون به ما يشاءون. فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما قال الله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) .

ولقد أحسن من قال في مثل هذا:

وَما هُوَ إِلّا الوَحيُ أَو حَدُّ مُرهَفٍ تُزيلُ ظُباهُ أَخدَعَي كُلِّ مائِلِ

فَهَذا دَواءُ الداءِ مِن كُلِّ عالم وَهَذا دَواءُ الداءِ مِن كُلِّ جاهِلِ

فالعاقِلُ ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة، ويقبل الحق بدليله، أما الظالم التابع لهواه فلا يردَعُه إلا السيف. فالحقُّ الذي لا يملكُ القوّةَ ليطبقَ في واقع الحياة، ودنيا الناس؛ حقٌّ ضائع مهما بلغت براهينُه، وقوَّةُ حججه، وسطوعُ أدلته، بل وكونُه البيانَ الذي لا يقهر، والحقَّ الضائع لا معنى له ولا قيمة حيث يظل حبيسًا مقهورًا لا يجد الناسُ له أثرًا، ولا يسمعون له صوتًا إلا همهماتٍ ضعيفة مشوهة بفعل الباطل وعلوه.

متى تملك القلب الزكيّ وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالم.

وقد قال الفاروق المحدثُ الملهم -رضي الله عنه-: ( لا ينفعُ كلمة حقٍّ لا نفاذ لها) وأولى الناس وأحقهم بالعلم هم أهل الجهاد، وأولى الناس وأحقهم بالجهاد هم أهل العلم. وهذا ما جاء به رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت