فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 417

سار على درب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِهِ رضوان الله عليهم، ودعا إلى مثل ما كانوا عليه؛ فلا بدَّ أن يناله نصيب من العداوة، ويصيبَه شيء من الأذى من الباطل وأهله بحسب حاله والتزامه بمنهجهم. ومنشأ هذه العداوة وسببُها؛ أن مجرد رؤيةِ أهل الباطل لأهل الحق، وإن كان الحق في أضعف حالاته وأعجزها -تذكر أهل الباطل بباطلهم، فتقطع عليهم نشوتهم، وتنغصُ عليهم تمتعهم بشهواتِهم، وتوقفهم مع أنفسهم لتفضح هذه الأنفس، وتبينَ ضعفها، وزيف قوتها وذلتها، حيث غدت عبدة ذليلة مهانة لشهواتها وأهوائها.

وقال تعالى: ( قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) فنقمتهم على المؤمنين، كما هو صريحُ الآية، لا سببَ لها غيرَ قيامِ المؤمنين بدينهم، وتمسُّكِهم به، مع عدم قدرتهم على فعل الشيء نفسه؛ لفسقهم المانع لهم من ذلك. وهذا مما يملأُ قلوبَ أهل الباطل حقدًا وغيضًا تتقطع معه قلوبهم، وتتحرق معه نفوسهم. حيثُ هذا العلو والسمو والذي لا يستطيعونه يذكرهم ويشهد عليهم بانحطاطهم وسفلهم، فيودون أن لو فتن أهل الحق عن حقهم وشاركوهم في باطلهم، كما قال العليم بمكنون صدورهم: ( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ) ولذا فإن أهل الباطلِ لا يجدون أمامهم فرارًا مما يجدون غير التمادي في سياسة البطش والتنكيل والتشريد والتقتيل، غير مراعين لحرمة ولا حافظين لعهدٍ ولا ذمة تشفيا من الحق وأهله وإرضاءً لأنفسهم المهزومة، وانتصارًا لها.

وإذا كان قد سبق في قضاء الله معاداةُ الباطل للحق وأهله وتسلطهم عليهم بأنواع الأذى وألوان العذاب؛ فقد أمر سبحانه أولياءه بإشهار سيف العداوة والبغضاء في وجه الباطل وأهله، ورفعِ لواء البراءَةِ من الكفر وحزبه. قال سبحانه: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) . قال الشيخ حمد بن عتيق -رحمه الله- (وهاهنا نكتةٌ بديعة في قوله تعالى( إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله؛ لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان، ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم) إلى أن قال ( فعليك بهذه النُكت؛ فإنها تفتح بابًا إلى عداوة أعداء الله، فكم إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المسلمين. ثم قال تعالى(كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فقولُه"بدا"أي ظهر وبان. وتأمل تقديمَ العداوة على البغضاء لأن الأولى أهمُّ من الثانية. فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين) ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت