وقال تعالى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) .
يقول سيِّد رحمه الله: ( وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر، وعلى فتنة المسلمين عن دينِهم، بوصفها الهدفَ الثابت المستقر لأعدائهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض، وفي كل جيل. إن وجود الإسلام بذاته هو غيضٌ ورعب لأعداء هذا الدين، وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواتُه، ولكن الهدفَ يضل ثابتًا؛ أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينِهم إن استطاعوا، وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره، والخبر الصادق من العليم الخبير قائمٌ يحذرُ الجماعة المسلمة من الاستسلام وينبهها إلى الخطر، ويدعوها إلى الصبر على الكيد، والصبر على الحرب، وإلا فهي خسارةُ الدنيا والآخرة، والعذابُ الذي لا يدفعه عذرٌ ولا مبرر) ا.هـ.
وتأمَّل قوله تعالى: ( قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) فرغم إقرار الباطل بضعف أهلِ الحق المادي، وخلوِّهم من أسباب القوة؛ فليس غير القوة الغاشمة التي لا تعرف أي معنى للرحمة، ولا تأبه بأي رابطة ( وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) . بل عندما طلب منهم نبيهم شعيب -عليه الصلاة والسلام- أن يتركوهُ والطائفةَ التي آمنت معه، ويصبروا إلى أن يكون الله وحده هو الذي يحكم بين الطائفتين بأمر قدري من عنده سبحانه -أبوا إلا خيار الطاغوت في كل زمان ومكان، مع الحق وأهله؛ إما الطرد والإبعاد والقتلُ والنكال والعذاب، أو الفتنة عن الدين.
وقال الله تعالى حكايةً عن شعيبٍ عليه السلام: ( وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ) فالباطل لا يطيق وجود فئة تؤمن بالله وبرسالتِه في ديارِهم، وإن كانْت هذه الفئة فئةً ضعيفة، مجردةً من كلِّ أسبابِ القوَّةِ الماديّة، بل ولو كانت هذه الفئةُ تدعو الباطلَ إلى الصبرِ إلى أن يكون الله هو الحكمُ بما يقدره بينهما.
وقد اقتضت حكمةُ الله -سبحانه- ابتلاءً لعباده وتمحيصًا لهم؛ أن يتسلط الباطلُ وحزبُه على الحقّ وأهله تسلطًا قدريًّا. قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) . وهذا قضاءٌ كوني واقعٌ لا محيص عنه، ولا دافع له، فكل من استمسك بغرز هذا الدين، وأخذ على عاتقه تطبيقَ حكمه بين العالمين؛ فلا بد أن ينالهُ قسطٌ من ذلك التسليط، ونصيبٌ من تلكم العداوة. ويتضحُ ذلك جليًّا في قول ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم- (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) . فكل من