قال المفسرون: أي ليوحدوني وحدي .
وقد تظنون أيها القضاة أن العبادة إنما هي الصلاة والصيام والزكاة فقط، فتقولون: نحن نعبد الله، وهل ترانا نعبد غيره ؟!
فنصلي ونسجد ونصوم ونذبح لله !
فأقول لكم:
إن العبادة ليست كما تفهمونها بهذا الفهم الضيق، بل هي أوسع وأشمل مما تظنون، فكلمة التوحيد التي خلق الله من أجلها الخلق وأرسل الرسل وأنزلت عليهم الكتب هي:"لا إله إلا الله".
وتنقسم إلى شقين:
شق النفي، وهو"لا إله"أي لا معبود بحق سوى الله، فتنفي الإلوهية عن غير الله، فلا يعبد غيره في صيام ولا صلاة ولا حج ولا تشريع .
والشق الآخر، الإثبات، وهو: إلا الله"أي إثبات الإلوهية لله وحده، فلا يطاع غيره في كل كبيرة وصغيرة ."
فجاءت هذه الكلمة العظيمة - كلمة التوحيد - التي لا ينجو العبد من النار إلا بتحقيقها وبالإتيان بشروطها ومقتضياتها، فقول الله عز وجل: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256) سورة البقرة جاءت مفسرة لهذه الكلمة العظيمة، فقوله: { فمن يكفر بالطاغوت } أي ينفي الإلوهية والعبودية عن غير الله، وقوله: { يؤمن بالله } إقرار وإثبات لعبودية الله وحده .
وقد ضمن الله لمن آمن به وحده وكفر بالطاغوت بأنه المتمسك بالعروة الوثقى، تلك العروة التي لا نجاة إلا بالتشبث بها، فالصلاة عروة والزكاة عروة والحج عروة وأعمال البر عرى كلها، ولكن من تمسك بأي عروة من هذه العرى ولم يستمسك بعروة التوحيد، لا شك أنها تنفصم ولن تنفعه عند الله، قال تعالى: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} (23) سورة الفرقان
لأنها لم تؤسس على التوحيد الخالص، قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} (3) سورة الغاشية
مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا ؟ قال: ذكرت قوله عز وجل: { عاملة ناصبة تصلى نارا حامية } فذاك الذي أبكاني، عملت كثيرا ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارا حامية .
فلذلك أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن توحيده، وتحقيقه لعبودية الله وحده، ولذلك جاء في الحديث الصحيح ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَ