مُعَاذًا - رضى الله عنه - عَلَى الْيَمَنِ قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً {تُؤْخَذُ} مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (البخاري)
فلم يدعوهم بداية إلى الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع الإسلام، ولكن أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (36) سورة النحل
والطاغوت لغة: كل ما زاد عن حده، قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} (11) سورة الحاقة
أي عندما زاد الماء عن حده حملناكم في السفينة.
والطاغوت اصطلاحا: هو كل ما عبد من دون الله، وهو راض بالعبادة.
وتتنوع أشكال الطاغوت، فتارة يكون الطاغوت صنما، وتارة قبرا أو إنسانا أو قانونا، ولقد كانوا في الجاهلية الأولى يعبدون الأصنام ويذبحون عندها ويدعونها، وجاء بعدهم من عبد القبور فيذبحون لها ويتبركون بها ويتخذونها آلهة وأربابا تعبد من دون الله، ولكن ابتلي الناس في هذا العصر باتخاذهم لونا آخر من الآلهة يعبدونها، وهي طاعة أشخاص تابعوهم بالتحريم والتحليل، فيشرعون لهم ما يوافق أهواءهم، فيحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال، فمن تابعهم على ذلك اتخذهم أربابا من دون الله، قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (40) سورة يوسف
روى البيهقي في السنن عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِى عُنُقِى صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ. - وكان يظن أن العبادة إنما هي الركوع والسجود - قَالَ: «أَجَلْ وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مجموع الفتاوى [جزء 7 - صفحة 70]
(( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم اللّه وتحريم ما أحل اللّه ـ يكونون على وجهين: