الادعاءات هو احتكار عهد الله مع إبراهيم - عليه السلام - أن يجعل في بيته النبوة؛ واحتكار الهداية والفضل كذلك. ثم - وهذا هو الأهم - تكذيب دعوى النبي صلى الله عليه وسلم أنه على دين إبراهيم، وأن المسلمين هم ورثة الحنيفية الأولى؛ وتشكيك المسلمين في هذه الحقيقة، أو بث الريبة في نفوس بعضهم على الأقل. .
ومن ثم يندد الله بهم هذا التنديد؛ ويكشف مراءهم الذي لا يستند إلى دليل. فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على الإنجيل. فكيف إذن يكون يهوديا ? أو كيف إذن يكون نصرانيا ? إنها دعوى مخالفة للعقل، تبدو مخالفتها بمجرد النظرة الأولى إلى التاريخ:
(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ? أفلا تعقلون ?) .
ثم يمضي في التنديد بهم؛ وإسقاط قيمة ما يدلون به من حجج، وكشف تعنتهم وقلة اعتمادهم على منهج منطقي سليم في الجدل والحوار:
(ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ? والله يعلم وأنتم لا تعلمون ?) .
وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام؛ كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم تولوا وهم معرضون. . وكان هذا وذاك في دائرة ما يعلمون من الأمر، أما أن يجادلوا فيما هو سابق على وجودهم، ووجود كتبهم ودياناتهم. . فهو الأمر الذي لا سند له ولو كان سندا. شكليا. . فهو الجدل إذن لذات الجدل. وهو المراء الذي لا يسير على منهج، وهو الغرض إذن والهوى. . ومن كان هذا حاله فهو غير جدير بالثقة فيما يقول. بل غير جدير بالاستماع أصلا لما يقول!
حتى إذا انتهى السياق من إسقاط قيمة جدلهم من أساسه، ونزع الثقة منهم ومما يقولون، عاد يقرر الحقيقة التي يعلمها الله. فهو - سبحانه - الذي يعلم حقيقة هذا التاريخ البعيد؛ وهو الذي يعلم كذلك حقيقة الدين الذي نزله على عبده إبراهيم. وقوله الفصل الذي لا يبقى معه لقائل قول؛ إلا أن يجادل ويماري بلا سلطان ولا دليل:
(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا. ولكن كان حنيفا مسلما. وما كان من المشركين) . .
فيؤكد ما قرره من قبل ضمنا من أن إبراهيم - عليه السلام - ما كان يهوديا ولا نصرانيا. وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده. ويقرر أنه كان مائلا عن كل ملة إلا الإسلام. فقد كان مسلما. . مسلما بالمعنى الشامل للإسلام الذي مر تفصيله وبيانه. .
(وما كان من المشركين) . .
وهذه الحقيقة متضمنة في قوله قبلها (ولكن كان حنيفا مسلما) . . ولكن إبرازها هنا يشير إلى عدة من لطائف الإشارة والتعبير: