معكم من الشاهدين). . ومن ثم يتعين على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الأخير وينصروه. ولكنهم لا يوفون بعهد الله معهم ومع رسلهم الأولين.
وفي ظل هذا العهد الساري يقرر أن الذي يبتغي دينا غير دين الله. . الإسلام. . يخرج في الحقيقة على نظام الكون كله كما إراده الله: (أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ? وإليه يرجعون ?) . . فيبدو هؤلاء الذين يخرجون عن إسلام أمرهم لله كله، والطاعة والاتباع لمنهج الله في خضوع واستسلام. . يبدو هؤلاء شذاذا خارجين على نظام الوجود الكبير!
هنا يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلى إعلان الإيمان بدين الله الواحد، ممثلا في كل ما جاء به الرسل أجمعين. وأن الله لا يقبل من البشر جميعا إلا هذا الدين: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين) . .
فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية الله. ولا في النجاة من عقابه. إلا أن يتوبوا. وأما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا ما بذلوا، ولن ينجيهم أن يفتدوا بملء الأرض ذهبا!
وبمناسبة البذل والفداء يحبب للمسلمين أن ينفقوا مما يحبون من مال في هذه الدنيا، ليجدوه عند الله مدخرا يوم القيامة: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) . .
وهكذا يستعرض هذا الشوط الواحد هذا الحشد من الحقائق والتوجيهات. وهو شوط في المعركة الضخمة التي تعرضها السورة، دائرة بين الجماعة المسلمة وأعداء هذا الدين. من رواء القرون. وهي ذاتها المعركة الدائرة اليوم، لا تختلف فيها الأهداف والغايات، وإن اختلفت أشكال الوسائل والأدوات. . وهي هي في خطها الطويل المديد. .
فلننظر في النصوص - بعد هذا الإجمال - نظرة استيعاب وتفصيل:
يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ? أفلا تعقلون ? ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ? والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي - مولى زيد بن ثابت - حدثني سعيد بن جبير - أو عكرمة - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده. فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم. . .) الآية.
وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الآية أو لم تكن، فظاهر من نصها أنها نزلت ردا على ادعاءات لأهل الكتاب، وحجاج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع بعضهم البعض في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم والهدف من هذه