فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 613

هكذا كانت المعادلة، سواء كان المسلمون لوحدهم أو مع الحكومة أو مع المشايخ أو مع القبائل، حتى تقرأ في كتاب (مصارع العشاق) وهو من الكتب التي كُتبت في آخر تلك المرحلة أن الغزو يكون أحيانًا بالشخص والشخصين، رأى بعضهم النصارى فقال أحدهم لصاحبه:"أما اشتقت إلى الجنة؟"، قال له:"أي والله"، فأوصوا التجار الذين معهم وذهبوا انغمسوا في عسكر الصليبيين وقُتلوا.

فالناس كانت تقاوم لوحدها دون خبرة، فكانت ظاهرة مقاومة الصليبيين قضية دينيّة تولتها كل الأمة، فلم يكن أحد ينتظر الأمير أو المشائخ أو أي أحد، فكانت أمة الإسلام ضد أمة الصليب؛ فكانت النتيجة على مدى 200 سنة أن انتصرت أمة الإسلام.

الذي يهمنا من هذا البحث الذي ذكرنها أن نستخلص أمرين اثنين:

الأول: أن معادلة الصراع في الحملة الصليبية الأولى كانت: (كلّ أمة الإسلام ضدّ كلّ أمة الصليب) ؛ أمة الصليب قذفت بمئات آلاف الناس فنزلوا بلادنا، وأمة الإسلام قذفت بمئات آلاف الناس فجاهدوا في الشام وفي مصر وفي شمال إفريقيا وعلى الحدود وعلى العواصم، فكانت حرب أمة ضد أمة.

قساوستهم ورهبانهم دخلوا في المعركة وحرّضوا وأفتوا بوجوب هذه المعركة ضدّ المسلمين، ملوكهم قادوا هذه المعركة، فكانت أمة تتحرك؛ مراجع دينية ومراجع سياسية وشعب الأمة النصرانية كله يحارب. بالنسبة للإسلام كان نفس الشيء فشارك أئمة المذاهب وأئمة الطرق الصوفية في ذلك الزمن، واقرأ كتاب ابن النحاس (مصارع العشاق) -وهو من المراجع التاريخيّة المهمّة- حتى تعرف الجو الاجتماعي والفقهي والنفسي للناس عندما دخلوا هذه المعركة.

فكانت المعركة: أمة الإسلام ضد أمة الصليب، وكانت نتيجة المعادلة أن انتصرت أمة الإسلام على مدى مائتي سنة.

الأمر الآخر والملاحظة الثانية التي تهمنا: أن الناس قاتلت بدون مرجعية سياسية؛ بالأفراد، بالجماعات، شيخ العشيرة، شيخ الحارة، كل ثلاثة وكل خمسة قاتلوا لوحدهم.

فهذا يعطينا فكرة أنّه كان هناك مقاومة إسلامية عامّة عالمية، ولم يكن هناك حزب أو جماعة أو تنظيم أو أمير يتولى الجهاد لوحده، بل كان هناك شعور من الناس بوجوب فريضة الجهاد وبوجوب دفع الصائل، فكان كل واحد يساهم بالمعركة سواء كان مبتدعًا أو فاسقًا أو صالحًا أو موحدًا أو سلفيًا أو مذهبيًا أو أشعريًا، كل الناس شاركت في دفع الصائل، فكانت النتيجة أن انتصرت أمة الإسلام على أمة الصليب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت