يؤدّب صلاح الدين ويُرجعه لحكمه، حتى أنّ والد صلاح الدين كان يقول له:"يا ولدي، لا يحلّ لك إذا رأيته إلا أن تقبّل يده"، يتحدث عن نور الدين.
حقيقة كان الصليبيون قد تعبوا في تلك المرحلة، وفتح بيت المقدس كان عمليًا هرمًا بناه نور الدين وبقي آخر حجر فجاء صلاح الدين ووضعه، وإلا فأغلب الجهد كان للزنكيّين.
أراد الله -سبحانه وتعالى- خيرًا بالناس فتوفّي نور الدين، ولم يصل الجيش، وكان صلاح الدين رجلًا ذكيًا فطنًا، فقال لهم:"الآن الأمير الرسمي هو إسماعيل بن نور الدين، وسوف أذهب إلى الشام حتّى أثبت ملكه وأبايعه".
وإسماعيل كان طفلًا عمره 11 سنة، فتوجّه صلاح الدين للشام وأخذ معه علماء مصر من أجل أن يبايعوا إسماعيل، فلما ذهب إلى هناك جمع علماء الشام وقال لهم:"أنتم ترون الحرب الدائرة وهذا ولد عمره 11 سنة وأمه وصيَّة عليه وهكذا ستختلط الأمور"، فقام علماء الشام ومصر وبايعوا صلاح الدين على أن يكون ملكًا على برّ مصر والشام، وقامت الدولة الأيوبية!
قبل موت نور الدين بقليل وبعد سيطرة صلاح الدين على مصر جاءت إحدى الحملات الصليبية فغزوا دمياط وكادوا يصلون للعاصمة، فقام الشيعة في الداخل بالتآمر معهم، نور الدين ينتظر الخبر، وكادت تسقط مصر وصلاح الدين في هذه الحالة. فدعاهم نور الدين وردّوا هذه الحملة. هذا من آخر ما حصل في حياة نور الدين.
تحرّك صلاح الدين وأخذ الملك وكان أوّل ما قام به أن أبرم هدنة مع الصليبيين، فهو كان خائفًا، بيزنطة دولة عظمى، والصليبيون هنا يحتلون كل الساحل الشامي، الشيعة في الداخل حيث قاموا عليه بانقلابين أو ثلاثة في محاولة لإعادة المذهب الشيعي إلى مصر.
فقام بعمل معاهدة (هدنة) لمدّة عشرة سنوات مع الصليبيين، وكان هدفه أن يقمع محاولات الانفصال في الشام وفي مصر، ثار عليه أمراء حلب وأمراء حمص، فقام بتصفية الإمارات التي ثارت، فلما صفا له الأمر وصارت المملكة واحدة في الشام ومصر، بدأ يتحيّن فرصة لينقض فيها الاتفاق مع الصليبيين.
طبعًا صلاح الدين وكذلك نور الدين لم يكن عنده جيش من الفقهاء حتى يُوجِعوا رأسه ويقولون له:"كيف نقاتل في مصر مع هؤلاء الشيعة؟ اترك الصليبيين يحتلون مصر، يا أخي الراية غير واضحة"!.
لم يكن عنده هذا النوع من الفقهاء، ولم يكن عنده من يقول له:"أنت كيف تقاتل في هذه البلد وأنت من غير هذه البلد"، ولا كان عنده فقهاء يقولون:"كيف تهادن الصليبيين وتحارب المسلمين؟!".