لم يكن عنده هذه المشكلة، فكان هناك علماء، وهناك قبائل، وهناك أمراء، فكان هناك رؤوس والناس بعد ذلك لهم تبع.
هذه من أهم المعادلات التي انقلبت رأسًا على عقب الآن، فأي إنسان يريد أن يتَّخذ قرارًا عليه أن يحسب حساب جيش الفقهاء القاعدين ليخطّؤوا المجموعة، فهذا لم يكن موجودًا أيام صلاح الدين، فانحلت معه المشكلة ..
وحصل أن قطع الصليبيون طريق الحج فاستغل صلاح الدين هذه الفرصة وهاجم الصليبيين، فحصلت موقعة مشهورة مهمّة جدًّا اسمها موقعة (صفورية) ، وكانت أهم من (حطين) وكانت مقدمة لحطّين، فانتصر المسلمون في (صفورية) وتحطم الجيش الصليبي عمليًا وتابعوا انسحابهم، فاستغل صلاح الدين الفرصة وقام بتحرير بيت المقدس.
وكان صلاح الدين قد حضرته الوفاة حيث مرض مرضًا شديدًا وحكم الأطباء أنه سيموت، فدعا الله -سبحانه وتعالى- أن يؤخّر وفاته إلى فتح بيت المقدس، وكان صلاح الدين الأشعري -الذي لا يعجبنا الآن ولا يعجب نصف علمائنا- حافظًا لكتاب الله، فقيهًا من فقهاء الشافعية، رجلًا صالحًا، كان يدور على الخيام في الليل فإذا رأى خيمة لا تقوم الليل يقول:"أخشى أن نُهزم غدًا من هذه الخيمة!"، فهذا كان حال صلاح الدين.
طبعًا بعد أن دخل الشام استقرّ في دمشق وأصبحت عاصمته دمشق، ثمّ توفي بعد أيام من فتح بيت المقدس بعد أن استجاب الله -سبحانه وتعالى- دعاءه.
الذي حصل بعد هذا بسرعة هكذا أنّ صلاح الدين مثله مثل كلّ الملوك؛ له أخطاء الملوك، حيث قام وقسّم المملكة بين أولاده الأربعة، فقسّم المملكة لأربعة أقسام وجعل على كل قسم أميرًا من أبناءه، فهذا أفضى إلى أن يتقاتل الإخوة على الإمارة، واستعان بعض أولاد صلاح الدين بالصليبيين الذين كانوا ما زالوا في سواحل الشام. فجاء أخو صلاح الدين ويُسمى (الملك عادل) وجمع الإخوة الأربعة وقال لهم:"أنا أحكّم بينكم"، فجاء بالأمراء وخلعهم وصار هو الملك، وأصبح الملكُ للملك العادل.
ثم قام الملك العادل بنفس الخطأ حيث قسّم المملكة بين أولاده، فكان في الشام ابنه الصالح إسماعيل، وفي مصر ابنه نجم الدين أيوب (الملك الصالح) ، وكان نجم الدين طاغوتًا جبّارًا في الأرض، ومما روي في تاريخه أنّ الأمراء كانوا إذا ذهبوا إلى اجتماعه يُودّعون نساءهم وجواريهم ويُوصون، لأنه غالبًا يقتل أميرًا أو اثنين أثناء الاجتماع! فإذا لم يعجبه رأيهم أو تكلم أحد بدون إذنه يقتله مباشرة، ولكن من حسناته أنه كان صادقًا في حرب الصليبيين.