ومهَّد هذا لما حصل في السنة التي بعدها في 1991 م، ونحن كنا هنا، فجاء الزلزال الثاني وعُقد (مؤتمر مدريد) وطرُح التَّطبيع، واصطُلح مع اليهود على القدس التي ضاعت قبل ستين سنة، بحيث يُصبح صكًا لاحتلاله بصوره شرعية!
فذهب كبار العلماء من ابن باز وغيره وقالوا:"هذا كلام مشروع وصحيح". فبِيع الحرم كله وبِيعت القدس. هذا الزلزال عشناه ونحن هنا في الجبهات، وكل الحركة الإسلامية موجودة.
وطبعًا الذي نجا من مؤتمر مكة ذهب لـ (مؤتمر بغداد) ، جمعهم صدام حسين وقال هؤلاء الذين ذهبوا عند فهد هم منافقو البترودولار، وهذا خطأ. طيب ما الصحّ الذي عندكم؟ قالوا:"قائد الأمة الآن صدام حسين، ولا بد من الجهاد"، وكتبوا على العلم (الله أكبر) . فصار الزنديق التلميذ الأول لميشيل عفلق، سفاح المسلمين هو المَخرج!.
فالذي نجا من هذه المصيبة وقع في تلك. فكُشف هزال الأمة، والمصيبة الأكبر أن الهيكل الديني لأهل السنة وهم أهل العلم، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَ النَّاسُ، وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَ النَّاسُ: السُّلْطَانُ، وَالْعُلَمَاءُ) [1] ؛ فالحمد لله كفر الأمراء ونافق العلماء، فماذا تفعل الأمة؟!
ومن شذَّ عن هذه القاعدة تجدهم أسماءً نادرة؛ د. عمر عبد الرحمن، الشيخ عبد الله عزام، سفر وسلمان، أسماء لو تجهد في عدِّها لا تتجاوز الكفّ، وهذه الأسماء ماذا حصل معها؟ كلها إما أُسر أو قُتل؛ قُتل الشيخ عبد الله -رحمة الله عليه-، وقُتل الشيخ تميم من قبله، أُسر الشيخ عمر، أُسر سلمان وسفر ودخلوا في السجون. ماذا فعلت الأمة؟ لا شيء! تلاميذهم من طلبة العلم كل واحد منهم ذهب لزوجته وأولاده، وفي وقت فراغه يأتينا للمسجد ليعطينا دروسًا عن صمود أحمد بن حنبل وجهاد عبد الله بن المبارك!
نحن كنا هنا في الجبهات وعشنا حالة من الزلزال، وكل فترة يأتينا المشايخ الذين كنا نسميهم (مشايخ الكونتينانتال) ، حتى مرة من المرات كنت في سيارة الشيخ عبد الله -رحمة الله عليه- فقلت له:"إلى أين أنت ذاهب؟"، قال:"إلى الكونتينانتال أسحب واحدًا من العلماء إلى المعسكر!"، هكذا يأتي الواحد منهم وينزل في الكونتينانتال ثلاثة أو أربعة أيام، ثم يأتي إلى معسكرات الحدود، والشجاع منهم من يعبر إلى الجبهة ويرى بعض المجاهدين، ثم يرجع إلى المعسكر ويُلقي علينا قصيدة:
يا عابد الحرمين لو
(1) انظر (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر (1108) .