فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 613

وحضارة أوروبا قامت على نفس الشيء وهو ترجمة كتب حضارة المسلمين، فالمسلمون لخّصوا حضارات العالم، وكانت مرحلة عبور إلى الحضارة الغربية، وسلموهم إياها ممزوجة جاهزة، فأخذها الغرب فطوّروا منها العلوم المعاصرة.

فالمأمون أنشأ دارًا وسماها (دار الحكمة) ، ودار الحكمة من أكبر مكتبات المسلمين، كان أي إنسان يترجم كتابًا يدفع له وزنه ذهبًا أو مجوهرات، تشجيعًا على العلم والمعرفة. فسمع بمكتبة موجودة في بيزنطة عند الروم فيها كتب الأوّلين من الروم واليونان، وبها فلسفة أرسطو وسقراط، وكتب الرياضيات وغيرها، فعرض على إمبراطور الروم أن يأخذها، فأمسكها إمبراطور الروم خشية أن يتطوروا بها.

فسبحان الله كان هناك رجل ذكي جدًا، تجد أصحاب العقول عباقرة، كان راهبًا خبيثًا قال له:"هذه كتب فلسفة اليونان عندما دخلت النصارى جعلت الإنجيل أربعمائة، فعندما دخل علم الكلام على النصارى شوهّ الدين واختلف النصارى على الصورة والإله وأفسدت الدين، فأعطِها للمسلمين ليفسدوا دينهم"، فأعطاهم إياها بثمن بخس.

فأخذها المأمون، وبدأت ترجمة فلسفة اليونان. وفلسفة اليونان أوجدت علم الكلام والفلسفة في الدين الإسلامي، فظهر المعتزلة وظهرت الفِرق وبدأوا يتحدّثون، وظهرت الجهميَّة، وظهرت البلاوي بسبب إدخال فلسفة اليونان في الدين. حتى أصبح بين العلماء وبين أهل الكلام حربًا ضروسًا، وهناك أقوال كثيرة للإمام أحمد، وللشافعي إلى آخره -رحمهم الله- في ذمّ أهل الكلام وهم أهل الفلسفة.

فبدأ ينشأ في عهده مشكلة المعتزلة، وخلاصة مشكلة المعتزلة بكلمتين: تقديم العقل على النقل، ولسنا بصدد هذا الآن، فليس موضوعنا. وتقديم العقل أي يأتوا بالقرآن والحديث ويحاولون تطويعه لما يستسيغه العقل، إذا تمّ ذلك قبِلوه، وإلّا يُعوجونه أو يردّونه.

وكان منهم أئمة وعلماء كبار، منهم أناس أجلاء لكن دخلت عليهم هذه المصيبة، وكان الانحراف في أهل الشيعة هو في الرَّفض، والانحراف في أهل السنة هو في الاعتزال. فكان البلاء وبدأت الفِرق.

وهنا مشكلة لن ندخل في تفصيلها، وهي أنه في عهد المأمون امتُحن الإمام أحمد من أجل مسألة (خَلْق القرآن) التي تبنَّاها المعتزلة؛ فالمعتزلة تبنّوا قضية خلق القرآن بسب علم الكلام، ووقف الإمام أحمد هذه الوقفة، وبقيت المشكلة قائمة، فالإمام أحمد عاصر المأمون، والمأمون كان ذاهبًا للتصييف، والملوك هكذا من قديم الزمان، هذا يصيّف في (ميامي) وهذا في (الريفيرا) ، فالمأمون كان يصيّف في طرطوس في شمال سوريا على حدود تركيا، وكان رجلًا جبارًا، فقال لهم ائتوني به. فحُمل الإمام أحمد بسلاسل قيل أن وزنها ثمانون كيلو، حُمل في المركب حتى يقابله جناب المأمون.

وهنا قصة جميلة جدًا حيث عبر إليه رجل اسمه أبو علي القالي وقال له:"يا إمام إنما أنت اليوم رأس في الدين، وإنما هي موتة واحدة، ضربة سيف وتكون في الجنة فلا تُجِبهم إلى ما أرادوا"، فشجّعه أن يقف وقال للإمام:"إنك اليوم رأس والناس لك تَبَع فإن اهتديت اهتدى بك"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت