فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 613

فالشاهد هارون الرشيد خلَّف المأمون، والمأمون أمه فارسية، تعرفون أن الملوك بجانب الملك يحبّون أن يُكثروا من النساء، فبعضهنّ من سلالة الفرس، وبعضهن من سلالة الترك، وبعضهن من سلالة العرب. فكانت أم المأمون فارسية، وأخواله فُرس. وأم الأمين عربية، فأخواله عرب. فلما مات هارون الرشيد اقتتل هذان الأخوان على الملك، ثم انحسمت المعركة لصالح المأمون فقرَّب أخواله فصار قادة الجيش من الفرس، وبدأ دخول الفرس.

لذلك القوميّون والمستشرقون يجعلون هذا بداية ما يُسمى (الدولة الفارسية) ، فيعتبرون أنّ الدولة العربية انتهت هنا؛ تغلغل الفرس وتغلغل الشيعة وقامت (الدولة البويهية) ، وهي عبارة عن السلطة التي يعتمد عليهم الخليفة، حتى كانوا ينافسون الخليفة؛ مثل (البرامكة) وغيرهم، فعندما أصبحوا أقوياء في الحكم بطش بهم الخليفة من الغيرة، إذ نافسوه في السلطة.

فلما جاء المأمون كان الحكم في قمّته، وكان المأمون عالمًا وفيلسوفًا محبًا للكتب والعلم، أي من أهل التفكير والمعارف، واحتكّ المسلمون بحضارة الهند، والصين، والروم، واليونان، وكل الحضارات احتكّت بهم، وهذا من روائع الحضارة الإسلامية.

وهناك كتاب من الضروري أن تقرأوه للشيخ مصطفى السباعي، كان مسؤول الإخوان المسلمين في سوريا، وحضر الجهاد في فلسطين، وعاصر حسن البنا في مرحلته -رحمة الله عليه-، هو كتاب صغير لكنه مفيد اسمه (من روائع حضارتنا) ، من الكتب التي يدرسها الإخوان المسلمون لكنه كتاب جميل تحدّث فيه عن صور من الحضارة.

فمن فضائل حضارة المسلمين أنهم جاؤوا بالحضارات كلها وخلطوها ومزجوها ثم طبعوها بطابع الإسلام وأخرجوها حضارة ممتازة جدًا.

العرب ليسوا أهل حضارة، سبحان الله أقارن جدًا بين نهضة العرب، ونهضة العثمانيين، ونهضة الطالبان الآن؛ أن الناس التي تنهض عادة في تأسيس حركة يكون قد سيطر عليهم العسكريون، ليسوا أهل حضارة، وإنما أهل قتال، ليسوا أهل معارف وفلسفات وكذا.

العرب كان قوتهم القمح والبُرّ، ورأوا الأرز لأول مرة بعد فتح الحِيرة في جنوب العراق، حتى أنهم خافوا أن يأكلوه، فأطعموه لخيولهم وصبروا عليها أربعة وعشرين ساعة فعندما لم تمت صاروا ينقعون الأرز ويطبخونه!.

المهم لما دخلوا على هذه البلاد وأخذوا الجواري، جواري الفرس وجواري الروم، تعرّفوا على الطبخ، وتعرفوا على الحلويات وتعرفوا على العمران وهندسة البناء، وبنوا القصور، وعمّروا المسجد الأموي بعشرة آلاف مهندس روماني، مهندسو الروم أصلًا من أهل الشام، فهم أخذوا الحضارات، فمنها جاءنا خير كثير وشر كثير.

من الشر الذي جاءنا في عهد المأمون أنه عمل حركة ترجمة، فأتوا بكل الكتب الهندية والصينية والفارسية والرومية، وبدأوا يترجمون حتى يُخرجوا المعارف للغة العربية، فتُرجمت أمور عظيمة في الطب والفلك، وطوّروها وأصبح هناك علماء عظام جدًا، في الفلك والطب وأمور عظيمة جدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت