رغم أن هناك كتابًا للقاضي بن العربي وهو عالم من أجلّة العلماء اسمه (العواصم من القواسم) ، حاول فيه أن ينتصر لرأي بني أمية، وكان من علماء بني أمية في الأندلس، فأثبت فيه أن يزيد من أولياء الله الصالحين والقادة المجاهدين، وخرج فيه عمَّا اتفق عليه جمهور أهل العلم.
المهم أن يزيد في مرحلته خرج عليه اهل الجزيرة فغزاهم، خرج الحسين -رضي الله عنه- على يزيد، ولا يمكن أن نقارن الحسين -رضي الله عنه- بيزيد، لا شك أن روايات (العواصم من القواصم) مردودة، رغم أن العالم جليل ولكن الكتاب فيه تحيُّز لبني أمية.
فالشاهد في الموضوع أن الحسين خرج وحارب يزيد، ورفض هذه البيعة لأنها كانت بيعة قصرية، حتى جاء يزيد بن المقنّع -فيما أظن أو أحد كبار زعماء العرب-، وجلس في مجلس معاوية، وجمع كل الناس والصحابة وأبناء الصحابة، وقال لهم أربع كلمات: (أمير المؤمنين هذا- وأشار إلى معاوية- فإن هلك فهذا- وأشار إلى يزيد- فمن أبى فهذا- وأشار إلى سيفه) [1] ، فسكتوا، وهكذا انتقلت البيعة إلى يزيد.
وخالف البيعة الحسين بن علي -رضي الله عنه- وعبد الله بن الزبير، وقيل عبد الله بن عمر، ومجموعة من كبار الصحابة، ولكن أشهرهم الحسين وعبد الله بن الزبير. فلما قُتل الحسين استمر عبد الله بن الزبير في القضية، والتفَّ حوله الصحابة وأبناء الصحابة. وشاع الفسوق والعصيان في بني أمية من البدايات، وأخذوا الذهب والفضة من غنيمة المسلمين، حتى ربما من عهد معاوية نفسه -رضي الله عنه-، وبدأت أمور الدنيا تدخل.
كانوا من قبل لما يأخذون الغنيمة توزَّع، فأصدر بنو أمية قانونًا أن يؤخذ الذهب والفضة للخليفة أولًا ثم توزَّع، فسلبوا الناس حقهم من الذهب والفضة في الغنائم. وبدأت تحدث أشياء ودخلت الدنيا. هذه الإمبراطورية الممتدة التي تحوي كل الأجناس من أبيض وأسود وأحمر وأشقر، والتجارة تأتي من البحر والبر، والناس بطِرت معيشتها، لأنه فعلًا قد دخلت عليهم الدنيا وفُتحت عليهم كنوز الأرض وكنوز الحضارات من الهند والسند والصين وأوروبا. حتى لما تقرأ في غنائم الأندلس لما فُتحت تجد مبالغات بلغت التَّخريف في كتب التاريخ، فهذا يدل على أن الغنائم كانت شيئًا عظيمًا جدًا.
فالشاهد من الموضوع أنه من البدايات ظهرت المشاكل، فكبار الصحابة رفضوا، وهناك عذر يمكن أن يعتبر مقبولًا لسيدنا معاوية إذا كان هذا قصده فعلًا في توليته يزيد، ذكره صاحب (العواصم) ؛ قال: أنه بعد الفتنة هدأ الناس وصاروا جماعة والوضع استتب وتأمَّنت السُّبل ونشأ العلم والفقه. فوجد معاوية -رضي الله عنه- أنه إذا رد الأمر شورى بين المسلمين فهناك على الأقل سبعة من أبناء الصحابة كلهم يتطلَّع إلى الخلافة؛ سعيد بن أبان بن عثمان بن عفان، عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير، وأبناء أبي بكر، جيل كله يتطلَّع إلى الخلافة.
فوجد أنه إذا تركها لهم شورى ستنتج فتنة، كانت بين اثنين، الآن ستصبح بين تسعة أو عشرة، فستتفكَّك الأمة، فرأى أن الميزة الوحيدة لابنه أن معه الجيش ومعه عسكر الشام وأهل الشام
(1) انظر (العقد الفريد) لابن عبد ربه الأندلسي 5/ 119.