هذا كله من أنواع غربة من يتمسَّك بالحق، فما بالك بالزمان الذي بلغنا!
يقول:"وَبِالْجُمْلَةِ: فَهُوَ غَرِيبٌ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ لَا يَجِدُ مِنَ الْعَامَّةِ مُسَاعِدًا وَلَا مُعِينًا فَهُوَ عَالِمٌ بَيْنَ جُهَّالٍ، صَاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أَهْلِ بِدَعٍ، دَاعٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيْنَ دُعَاةٍ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ الْمَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ.".
هذا الإمام الهروي الذي كتب هذا ضُرب عدة مرات في هرات، ونُفي من بلده، وكل مرة ينتهي نفيه يعود ويتابع نفس القضية، حتى قال هنا في تعريفه:"قال ابن طاهر: سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصاري في هرات يقول: عُرِضتُ على السيف خمس مرات -أي للقتل-، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك ولكن يقال لي: اسكت عمَّن خالفك، فأقول: لا أسكت"، لم يطلب أحد منه ترك الحق، قالوا له: ابقَ على الحق وحدك، لكن لا تُندِّد في طرق الآخرين وتدعوهم إلى طريق آخر صحيح، يُهدَّد بالقتل ليس لأجل ترك مذهبه ولكن لأجل أن يسكت عن المناهج العوجاء، فيقول: لا أسكت!
قال ابن القيم في [ص 86] من هذه الرسالة القيمة:
"قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: غُرْبَةُ الْحَالِ؛ وَهَذَا مِنْ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ طُوبَى لَهُمْ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ فِي زَمَانٍ فَاسِدٍ بَيْنَ قَوْمٍ فَاسِدِينَ، أَوْ عَالِمٌ بَيْنَ قَوْمٍ جَاهِلِينَ، أَوْ صِدِّيقٌ بَيْنَ قَوْمٍ مُنَافِقِينَ"؛ يعني إما أنه مؤمن بين ضُلَّال، أو عالم بين جُهَّال أو صالح بين مُرائين ومنافقين.
يقول:"يُرِيدُ بِالْحَالِ هَاهُنَا: الْوَصْفَ الَّذِي قَامَ بِهِ مِنَ الدِّينِ وَالْتَمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَلَا يُرِيدُ بِهِ الْحَالَ الِاصْطِلَاحِيَّ عِنْدَ الْقَوْمِ"؛ يعني بعض الصوفيين الذين حملوا الغربة على معانٍ غير صحيحة.
يقول بالمختصر:"صَاحِبَ صَلَاحٍ وَدِينٍ بَيْنَ قَوْمٍ فَاسِدِينَ، وَصَاحِبَ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ بَيْنَ قَوْمٍ جُهَّالٍ، وَصَاحِبَ صِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ بَيْنَ أَهْلِ كَذِبٍ وَنِفَاقٍ".
نكتفي بهذا القدر من هذه الصفحات، وأقول: كما تلاحظون الآن أهل الإسلام من يصلي من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا غرباء في باقي العائلة التي لا تصلي. ثم أنت بتمسُّكِكَ ببعض المعالم الإيمانية -سواء انتميت لأي حركة إسلامية- تكون غريبًا في أسرتك؛ هم يصلون ويصومون ولكن أنت ترى في التلفاز الاختلاط والفساد في نفس العائلة التي تصلي، فتعيش غربة لأنك تنتمي إلى جيل الصحوة الإسلامية، إلى أي حركة إسلامية.
ثم تأتي في الحركة الإسلامية تقول لهم: نريد أن نجاهد، فتقوم الحركة الإسلامية التي هي غريبة في المجتمع وتتهمك بالغربة؛ لأنك تريد أن تُجاهد وتجلب البلاء، فأصبحت غريبًا ضمن النخبة.