فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 613

جزء من الحق، وربما عُذر الناس أن يتدرَّجوا ببني قومهم، لأنهم لن يستطيعوا أن يستوعبون فيُعطونهم الحق على دفعات، ربما هذا عذر لهم.

ولكن قناعتنا نحن أن الحق يُعرف دفعة واحدة وجملة واحدة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة. لأن الأزمات أكبر بكثير، والبلاء نازل أعظم بكثير من أن يتدرج فيه بربع الحق ونصف الحق.

ولكن مع ذلك فالموقف الذي وقفوه عظيم جدًّا ومشكور جدًّا في عمومه، وإذا قِيس إلى حال أهل الجزيرة وعلماء الجزيرة يزداد عظمة.

مما أُثر عن الشيخ سفر -فرّج الله عنه ورحمه-، وقد أفرج عنه كما سمعنا في الأخبار الأخيرة، قالوا له:"إذا عندك شيء في السجن تطلبه؟"قال لهم:"انكسرت النظارات الخاصة بي فأريد أن ترسلوا لي نظارات"، فقالوا له:"اكتب كتابًا لإدارة السجن". قال لهم:"أنا لا أكتب لكم حرفًا واحدًا". قالوا:"ألست تريد نظارات؟"قال لهم:"أنا دخلت السجن منذ أربع سنين، ولما وضعت رجلي في باب السجن نويت على عشرين سنة، الآن مضى أربعة فلم أتعب حتى تظن أني سأكتب لك".

فلا تزال هناك مواقف مضيئة من هؤلاء الناس، ومعهم رجل رابع لم يُفرج عنه، فايد بن زايد [1] وهو دكتور في الإعلام، فكتب المشايخ توصيفًا للوضع في السعودية وما يرون أنّه المخرج، فقيل لهم:"هذا كلام جميل ولكن رقّقوا العبارة ولو حافظتم على الفحوى"، فالمشايخ رقّقوا العبارة حتى يحصل الخير، فهو رفض وقال لهم:"كيف نرقّق العبارة وأنا أول شيء أريده أن يبلغ هذا الكلام لهم ولكل الناس، ولا أخرج من السجن إلا باعتذار رسمي من الدولة على اعتقالنا". فقالوا:"إذًا لن تخرج"، قال لهم:"لا أخرج"، وما زال في السجن.

فلا تزال هناك بقع مضيئة، حصل مثل هذا في بلاد الشام في جهاد النصيرية، فهناك علماء وقفوا مواقف عظيمة جدًّا. عندما تسمع في القصص الأولى تجد أناس وقفت كذلك، كان هناك قاضٍ للقيروان في تونس وكان يفتي بكفر العبيديين حكام مصر، ففي حملة من الحملات دخلوا على تونس فأسروه، وهو كان له فتوى أنه إذا كان عند المسلم عشرة أسهم فيرمي تسعة أسهم على هؤلاء الشيعة النصيرية الكفرة ولو بقي سهم فقط للنصارى.

فلما دخل العبيديون قبضوا عليه، وهؤلاء معروفون أنهم أشرار حتى سنّوا قوانين من الظلم تعجب منها، حتى كان عند الحاكم بأمر الله الفاطمي أنّ من يغشَّ في العصير فعقوبته أن يُلاط به في الساحة العامة! هذه من الأحكام التي سنَّها في الدولة، فتصوَّر هذه العقلية! فكان الذي

(1) غير متأكد من الاسم (المفرغ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت