فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 117

قد"يعقدون"السلطة المتغيرة لأحد اليوم، و"يحلونها"عنه غدا، والواقع خير شاهد، وهو ما يعني أنك ستظل تدور في حلقة مغلقة يتلاعب بك فيها (أهل الحل والعقد) الفاسدون وأنه لن يستمر أحد في السلطة إلا إذا سار وفق أهوائهم!

ولهذا نقول في واقعنا (الثورة قبل السلطة) ، والثوارت الناجحة هي تلك الثورات التي تفرز سلطة ثابتة جديدة تمثل قيم الثورة ومنهجها وأفكارها كما حدث في الثورة روسية أو الكوبية أو الإيرانية، وهو ما حاول البعض عمله في""ثورة يناير""الفقيدة عندما طالب المجلس العسكري بتأسيس"مجلس رئاسي مدني"، هكذا بهذه البساطة! وهو الشيء الذي لم يقبله الجيش قطعا لأنه يعرف أنها خطوة بمثابة انتزاع السلطة الثابتة منه، وقد كان الجيش يعرف أن الثورة أضعف من أن تنتزع هذه السلطة منه، فهي ليست كالثورات القوية التي تبرز قياداتها وتكوّن مجلسا ثوريا للقيادة، مجلسا يمثل فكر ومنهج ورؤية الثورة، هذه الثورات القوية تُحدث عملية تغيير مجتمعي كاملة، وتفرز قادتها عبر المعارك والمواقف فيصبحون هم السلطة الجديدة في المجتمع، وهو ما يُسمى سياسيا"الشرعية الثورية"، وبالطبع فإن عملية انتزاع السلطة من مراكز القوة القديمة تتطلب حتما قوة ولا يمكن تحقيقها بمجرد الهتاف والاعتصام السلمي.

ملاحظة هامشية: بعض الذين طالبوا بالمجلس الرئاسي المدني هم أنفسهم الذين يخرجون في الإعلام يسخرون من مصطلح"أهل الحل والعقد"ولا يدرون أن ما طالبوا به كان هو"أهل الحل والعقد"بالضبط، الفارق الوحيد عما طرحه علماء المسلمين القدامى هو أنهم رشحوا شخصيات لا تستحق مطلقا أن يكونوا كذلك، كما أنهم لم ينتبهوا لموازين القوة فظنوا أن السلطة الثابتة يُمكن أن يتم الحصول عليها بالمطالبة الرقيقة الهادئة، ولا أدري كيف تكون هذه ثورة!!

وبذلك تفهم أن المعركة كلها تكمن في انتزاع السلطة الثابتة وتكوين سلطة جديدة في المجتمع، وهي عملية طويلة تحتاج إلى صبر ومصابرة، تحتاج إلى فكر ورؤية ونشر وعي، كما تحتاج إلى قوة وحسم وحزم ومواجهة، فهي عملية بناء مجتمعي، وعملية تغيير فكري للمجتمع وليس تغييرا ماديا فقط، وهذه إحدى وظائف الثورة الأساسية، فإذا تمت عملية التغيير المجتمعي تلك وتشكلت كذلك السلطة الثابتة المستقيمة سواء كانت في صورة أشخاص أو هيئات تم تأسيسها فقد نجحت ثورتك، وقد ضمنت حينها استقامة السلطة المتغيرة وأصبح الحديث عن آلية تولي السلطة المتغيرة أمرا هامشيا مادامت قيم النظام الجديد قد ترسخت، ومادامت السلطة الثابتة قد استقامت، درب طويل ليس بالسهل أي نعم، لكن لادرب غيره!، وفي النظام السياسي في الإسلام أي وسيلة لاختيار السلطة المتغيرة ستحقق هذه الاعتبارات الثلاث فقد حققت الشكل النموذجي لتوليها:

(1) - توافر شروط الحكم في الشخص (كالإسلام والذكورة والحرية والعدالة والاجتهاد والكفاءة) .

(2) - أن يحكم بالحق لا يتجاوزه، وقد شرحنا ماهو المعيار في ذلك عند حديثنا عن النظام السياسي في الإسلام، وهذا الاعتبار يميز السلطة في الإسلام عن السلطة في الديمقراطية، فمنهج الحاكم في الحكم يؤثر على شرعيته في الإسلام، وقد تسقط الشرعية عن الحاكم بسبب منهج حكمه الفاسد سواء كان بتضييع الدين أو الدنيا ولا قيمة هنا لاختيار الناس له لأن السيادة للحق فوق الحاكم والشعب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت