فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 117

وهذا بخلاف الديمقراطية التي تجعل شرعية الحاكم مصدرها اختيار الأغلبية فقط أيا كان طريقة حكمه.

(3) - أن يحصل الاجتماع بوجوده، فلا يكون وجوده مدعاة للتنازع والشقاق والخلاف والفتن والتقاتل (وهذا يحدث واقعيا باتفاق مراكز القوى"أهل الحل والعقد"، ويُراعى فيه رضا الناس العام حتى لا يكون مجيئه قهرا) .

هذه الاعتبارات التي تكسب الحاكم شرعيته، وفي صدر الإسلام كانت السلطة الثابتة مستقيمة، فهي سلطة تشكلت على مدار (23) سنة من دعوة وهجرة وجهاد وتزكية، متمثلة في المجتمع الإيجابي الذي تكون، وفي العلماء والمجاهدين وأصحاب الرأي من كبار الصحابة الذين أفرزتهم المعارك والأحداث الصادقة، فهؤلاء كانوا أهل الحل والعقد، ولذلك لم يكن هناك أي معضلة أبدا في آلية اختيار"السلطة المتغيرة"، ولذا ستجد سبلا مختلفة لتولي الخلفاء"السلطة المتغيرة"، فأبو بكر كان ترجيح عمر، وباختيار عمر له حصل الاجتماع وموافقة مراكز القوة في المجتمع (أهل الحل والعقد) ، وعمر كان وصية أبي بكر وبسبب كونه وصية أبي بكر لم يحصل تنازع وحصل الاجتماع والموافقة من مراكز القوة (أهل الحل والعقد) ، أما عثمان فكان واحدا من ستة اختارهم عمر حتى يتشاور المسلمون ويختاروا منهم واحدا، فوكلوا عبد الرحمن بن عوف ليستشير الناس ثم يختار، فاختار (عثمان بن عفان) وبهذه الآلية حصل الاجتماع، هذه آليات مختلفة لمجيء الحاكم لكنها كلها - بلا استثناء - تمت تحت موافقة أهل الحل والعقد (مراكز القوة) المستقيمين حينها وراعت الاعتبارات الثلاثة التي تم ذكرها، يلخص ما قلناه كله حول السلطة شيخ الإسلام (ابن تيمية) فيقول:

(وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله، كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية، كسلطان الظالمين.

ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه (أي: أبا بكر) ، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة، الذين هم أهل القدرة والشوكة. ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك)

ويقول أيضا: (فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة, ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة""إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد")

وبذلك تعرف أن حديث العلماء عن (أهل الحل والعقد) تحديدا هو حديث عن الواقع الذي لا فكاك منه، حديث عن مراكز القوة التي بيدها السلطة، ليس اختراعا، ولا نظرية مبتكرة، ولا شيئا مبتدعا، هذا ببساطة الذي سيحدث في الواقع شئنا أم أبينا، لن يصبح الحاكم حاكما إلا بإقرار ورضا من أهل الحل والعقد (مراكز القوة في المجتمع) ، كما هو حاصل في واقعنا رغم أنوفنا .. ورفضنا لمراكز القوة وأهل الحل والعقد الحاليين لا يجعلنا نتجاوز الواقع وننكر هذه الحقيقة، بل يجعلنا نتحرك بكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت