وبالرغم مما شرحناه من قوة الإسلام وتأثيره في المعركة إلا أننا في الواقع أمام معضلة كبيرة عندما نبدأ في مخاطبة الناس بالإسلام الحقيقي، فقد أصبح عند كثير من الناس حاجز نفسي كبير من أي خطاب سياسي أو ثوري ينبثق من الإسلام فقد يختلط هذا الخطاب بخطاب تيارات (الإسلام السياسي) والتي بالطبع هذا الكتاب يطرح رؤية مختلفة عنها، كما أن الأنظمة قد نجحت في تشويه الخطاب الديني بشكل كبير، وفي نفس الوقت لا محيص من عرض الإسلام وإحياء المعركة به منهجيا وثوريا، وحل هذا هو أن يتميز الخطاب الثوري عن سائر الخطابات المستهلكة وأن يتجنب أخطاءها ويتجاوز مواطن الخلل فيها وهو ما دفعنا لكتابة هذه الفقرة.
1 -معنى الخطاب:
الخطاب هو الوسيلة الأولى للدعوة إلى المنهج، والأصل فيه"التبيين"، إذ لا يجوز فيه التحدث بما لا يعقله الناس فضلا عن التحدث بما يفهمونه على غير وجهه، فإن الله عز وجل قال: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) فالبلاغ الذي كلف الله به الرسل وأتباعهم لا يتم إلا بهذا التبيين، حتى تبرأ أمام الله ذمتهم وتقام على خلقه حجتهم، وهذا عين قوله تعالى: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) فالعبرة ليست في حياته أو هلاكه بل العبرة - كل العبرة - في أن يكون في الأمرين على بينة.
ولكم حذر الصحابة والعلماء من بعدهم بما فهموه من أدلة الشرع من تحديث الناس بما لا يفهمونه ولا يعقلون حقيقته كقول ابن مسعود - رضي الله عنه-:"ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"وكذلك قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله".
فالخطاب يكون بقدر فهم المستمع لا المتكلم، والعبرة ليست بأن تتكلم بكلام تعقل أنت المقصود منه، ولكن العبرة أن تتكلم بكلام يفهم الناس المقصود منه، والذي يخاطب الناس بمفردات صحيحة في ذاتها وهو يعلم أن الناس يفهمون منها غير مقصودها، ظانا منه بأنه بذلك يبين الحق بلا مواربة، هو في الحقيقة لم يبين ولم يلقِ الوِزر عن كتفيه!
2 -إفهام الناس لا إرضاؤهم:
تنقيح الخطاب هو إفهام للناس لا إرضاء لهم، وهناك شعرة تفرق بين"الحرص على إرضاء الناس"وبين"الحرص على أن يعرف الناس حقيقة منهجنا".. يجب أن نكون أحرص الناس على أن نصل للناس بحقيقة ما عندنا وهذا هو"التبيين"الذي أمرنا الله به، يجب أن نبذل الساعات الطوال من أجل أن نحرر خطابنا ونُجَوِّد كلامنا وننتقي مصطلحاتنا ليفهم الناس - بلا لبس - حقيقة المعاني التي نقصدها، يجب أن نحرص على ألا يعادونا لمعنى لا نقصده، ولا لشيء لم نفعله، ولا لعقيدة لا نؤمن