فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 117

كل المجتمعات البشرية لا تخلو من وجود سلطة تجمعهم في سياق واحد وإلا لن يكونوا مجتمعا بل سيكونون أشتاتا وأفرادا، والسلطة في المجتمعات البشرية نوعان: (سلطة ثابتة - وسلطة متغيرة) .. السلطة الثابتة هي ما يمكن التعبير عنها بمراكز القوة على الأرض، وهي ما تمثل"النظام"في الشكل الحديث للدولة، هذه السلطة سميناها ثابتة لأنها لا تتغير بمجرد تغيير رأس النظام، فقد يموت رأس النظام أو يُخلع أو يتنحى وتظل هذه السلطة قائمة ومتحكمة في الأوضاع، فرأس النظام هو"سلطة متغيرة"ولا يكتسب سلطته إلا من خلال اعتراف مراكز القوة به، وفي الحقيقة إذا لم تذعن مراكز القوة له ولم تعترف به فلن يتمكن من الحكم الحقيقي!

في"الجزائر"في أوائل التسعينات عندما اكتسح الإسلاميون الانتخابات البرلمانية، قررت مراكز القوة ألا تمكن الإسلاميين من السلطة المتغيرة (البرلمان) ونجحت لأنها صاحبة السلطة الثابتة في البلاد، وفي مصر تركت مراكز القوة مرسي يتولى ظاهرا السلطة المتغيرة (الرئاسة) ولكنها لم تكن مذعنة له ولا معترفة به فأصبح رئيسا صوريا بلا قدرة ولا سلطة، إلى أن قررت هذه السلطة الثابتة عزله عن الرئاسة الصورية فتم عزله بخطاب واحد، وأما في"الثورة"الرومانية فقد أسقطت الجماهير الغاضبة الدكتاتور تشاوتشيسكو رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الشيوعي بل وأعدمته في الشوارع، وبعدما أسقطوا (السلطة المتغيرة) التفوا حول (السلطة الثابتة) المتمثلة في جنرالات الجيش وبعض رجال الحزب نفسه، متناسين أن هؤلاء ليسوا سوى النظام الذي كان يعطي الشرعية لتشاوتشيسكو!!، أجرت هذه السلطة انتخابات برلمانية فاز فيهما رجال الحزب الشيوعي القدامى تحت اسم جديد بأغلبية مطلقة، وأصبح رئيس الجمهورية هو (إيون إليسكو) أحد كوادر الحزب الشيوعي نفسه! وهذا مطابق لما حدث في مصر بالضبط بعد (25) يناير عندما تنحى رأس النظام، ليلتف الناس هاتفين للنظام نفسه بهتاف (الجيش والشعب إيد واحدة) .. وأما في تشيلي ففي عام 1970 وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور ألليندي إلى السلطة بانتخابات ديموقراطية ثم قامت السلطة الثابتة بزعامة بينوشيه بخلعه والانقلاب عليه عام (1973) وتم قتله داخل قصره وتولى بينوشيه نفسه الرئاسة، وهكذا الأمثلة التاريخية والمعاصرة لا تعد ولا تحصى، كلها تبين أن مربط الفرس كله في"السلطة الثابتة".

بل حتى في أكثر الدول ديمقراطية توجد (سلطة ثابتة) في ضوئها يتم اختيار الناس للسلطة المتغيرة (الرئيس والبرلمان) .. هذه السلطة الثابتة قد تأخذ شكل اللوبيات وجماعات الضغط في بعض الدول، أو تأخذ شكل الهيئات والمؤسسات (كالجيش والقضاء والشركات) في دول أخرى، وفي أفضل الأحوال تمثل الجماهير نسبة قليلة من هذه السلطة الثابتة، وحتى هذه النسبة القليلة يمكن الاستحواذ عليها بالإعلام الموجه للجماهير!

فالجيش والقضاء والشركات الرأسمالية والإعلام يمثلون سلطة ثابتة في هذه المجتمعات مهما تغيرت الوجوه السياسية، ولو افترضنا مثلا افتراضا تخيليا أن هذه الهيئات واللوبيات اجتمعت على قلب رجل واحد وقررت علنا عدم الاعتراف بسلطة رئيس بعينه فلن يصبح رئيسا على أرض الواقع، بل حتى لو قرروا أن يعزلوه بالقوة فسيعزلونه مهما اعترض الشعب وثار واحتج، فهم محتكرو القوة، فالرؤساء يمثلون فقط السلطة المتغيرة والتي يعطى فيها للشعب مساحة أكبر لاختيارهم كنوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت