كل هذا في وقت كانت النظريات الغربية ترسم للأرض صورة مضحكة وكانت الكنيسة في أوربا تحرق من يقول أن الأرض كروية!
بل لما كان الحق والأصلح هو القيمة المجتمعية الأولى كان الحكام يسعون لتقريب علماء الدنيا والدين وجعلهم من خاصتهم لاكتساب شرعية اجتماعية لحكمهم وللظهور بمظهر المحافظ على قيمة (حكم الحق) ، وإن كان هذا التقريب لأغراض سياسية إلا أنه لا شك ساعد في تطوير العلم وأعطى للعلماء مزيد من المساحة للتقدم والكتابة، وخرجت كثير من المؤلفات العلمية بناء على استفتاء من الخلفاء وفي أحيان كثيرة كان طلب الفتيا صادقا لمعرفة الحق من أهل التخصص وليس فقط لأغراض سياسية.
بل حتى في أشد فترات الأمة محنةً في العصر الأول وهي الفترة التي وقع فيها تقاتل وفتنة ستجد أن"الحق"فيها كان هو محور الخلاف بعيدا عن المغرضين، وبرغم ما أنتجته هذه الفتنة الكبرى من سلبيات قاسية على المستوى السياسي إلا أن المجتمع لكونه مجتمعا يبحث عن الحق فقد استفاد من هذه الفتنة وصاغ لنفسه نظرية اجتماعية حافظت على الحد الأدنى من تماسكه ووضعت لفساد السلطة حدا لا تستطيع أن تتجاوزه، وظل المجتمع محافظا على تماسكه وقيمه غير متأثر باضطرابات السلطة لفترات كبيرة، وبهذه النظرية المجتمعية استطاعت الأمة في أقل من خمسين سنة من عمرها أن تبني لنفسها حضارة مستقلة عظمى ذات طابع خاص كانت هي الأقوى في العالم حينها، وقد محت بحضارتها دولا عتيقة تمتمد أعمارها لما قبل الميلاد، وقد حافظت الأمة على حضارتها لقرون ممتدة بعد ذلك على ما اعترى هذه القرون من تقسيمات ونزاعات. وقد أصبحت الأمة تدير أكبر رقعة في العالم بدون أن يكون لها في ذلك تاريخ سابق تبني عليه أو تراكم خبرات؛ بل عمرها كله في تاريخ البشر لا شيء!، ولا شك أن التدافع حول الحق والفتنة التي حدثت في القرن الأول كان لهما دور كبير في اكتساب الخبرة التي مكنت الأمة من الحفاظ على الحد الأدنى من هذا التماسك الداخلي، وكلامي هنا على المجتمع بالذات وإلا فإن السلطة لم تكن سلطة مثالية أبدا وإن كانت لا تقارَن طبعا بما وصلنا إليه اليوم، والتفصيل حول هذا الشأن يحتاج إلى كتاب مستقل ولكن نكتفي هنا بهذه الإشارة حتى لا يخرج هذا المختصر عن موضوعه.
التقدم والتطور في النظام العالمي الجديد:
وهنا يمكن أن يعترض معترض فيقول: ليس النظام السياسي في الإسلام وحده هو الذي يدفع نحو التطور والتقدم والبحث العلمي بل النظام العالمي الحالي بقيمه الحالية هو نظام تكنولوجي ويدفع أيضا نحو التطور والتقدم وخدمة البشر، فنحن نعيش في عصر التكنولوجيا الآن، فما الفارق إذن بين النظامين في هذه النقطة؟
الفارق هو أن النظام العالمي يدعم التكنولوجيا التي تخدم مصالحه وتحقق أطماعه، ولا يسعى بالتكنولوجيا نحو الأصلح والأنفع للبشر إطلاقا، فهو يتفنن في تحويل احتياجات الناس إلى رؤوس أموال بعيدا عن مصالحهم الحقيقية، إن التقدم والتطور اليوم هو تطور وتقدم رأسمالي ربحي مركزه