باحث متجرد من الحكم على صحة أو خطأ نسبة حديث ما للرسول صلى الله عليه وسلم متى درس هذا العلم وأدركه.
وفي اللغة على سبيل المثال نجد الخليل بن أحمد ينشئ علما جديدا اسمه علم"العروض"وهو العلم العبقري الذي حفظ أوزان الشعر واستخرجها بصورة جعلت وزن الشعر علما اكتسابيا بعدما كان موهبة سماعية محضة، وعلى جانب آخر ينقل الخوارزمي العلوم كلها نقلة نوعية كبرى بتأسيسه علم"الجبر"بعد رحلة بحث ومعرفة في حوالي القرن الثاني الهجري ويصل لأول منهجية عامة تُحل بها المعادلات الخطية والتربيعية، وقد أسس لنظريات رياضية أخرى مازالت هي المعتمدة حتى الآن، وفي نفس القرن نجد جابر بن حيان الملقب بأبي الكيمياء ينقل علم الكيمياء نقلة حضارية أخرى سبق بها عصره معتمد على رحلة طويلة من البحث والتجربه في معمله في الكوفة، ثم ما كان من الطبيب العالم ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى والذي ظل الطب لا يعتمد إلا على نظريته لقرون، وهذا كله على سبيل المثال لا الحصر.
حتى أولئك الفلاسفة الذين شطوا بتفكيرهم عن ثوابت الدين فقد كان الدافع هو البحث عن نفس القيمة"الحق"وقد أسهموا أيضا بصورة أو بأخرى في إثراء المكتبة الإسلامية بمنتجات علمية ضخمة حيث ظل ما ذكروه من أغلوطات محل رد وبحث من غيرهم، وهكذا عاشت الأمة في أجواء علم وبحث ومعرفة كان الدافع لذلك كله هو السعي لتحقيق القيمة العليا التي يسعى الكل إليها في المجتمع: الحق.
لقد تحولت أمة الإسلام حينها إلى قبلة لغير المسلمين الذين يريدون تلقي العلوم والاستزادة منها، وصارت الصورة الذهنية للمسلم والعربي هي ذاك الرجل صاحب العمامة والصحيفة والريشة التي يدون بها العلم، إنك في هذه الحقبة من الصعب إن لم يكن من المحال أن تجد مجالا من المجالات ليس فيه مئات إن لم يكن آلاف المؤلفات العلمية الدقيقة والتي تحوي على نفائس يعجز العقل عن حصرها.
ولذلك لا تعجب أن ينقل عالم مثل ابن حزم إجماع الأمة على كروية الأرض في القرن الرابع من الهجرة حوالي عام (1000 ميلاديا) أي قبل ولادة جاليليو الذي يُنسب له هذا الاكتشاف في أوربا ب 500 سنة يقول ابن حزم:
(إن أحدًا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها) .
وكذلك يقول أبو الحسين بن المنادى من نفس طبقته تقريبا: (وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة) .
ويقول ابن تيمية المتوفى قبل ولادة جاليليو بقرنين: (اعلم أن الأرض قد اتفقوا(أي: علماء المسلمين) على أنها كُرية الشكل، وهي في الماء المحيط بأكثرها)!