فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 117

المعترضون كلهم مهندسين متخصصين يتكلمون وفق علمهم وتخصصهم وبالحسابات والأدلة فإن كلام من يريدون البناء عند الديمقراطية هو الأصلح الذي يجب أن ينفذ لأنهم الأغلبية حتى ولو كانوا جهلة لا يعرفون شيئا، ولا قيمة هنا لكلام المتخصصين ولا لمشورتهم، ولا يهم أن يسقط البيت فوق رؤوسهم كلهم!

أما من جهة الثوابت فلو افترضنا أيضا أن هناك (10) أفراد يعيشون في بيت واحد وقرر الأغلبية منهم أن كل من يدخل البيت عليه أن يتجرد تماما من ثيابه ويصبح عريانا، فإن المعترضين عليهم أن يلتزموا بقانون الأغلبية حتى ولو كان هذا القانون يخالف ثوابت الشرع ويخالف العرف والعقل، فإرادة الأغلبية هي التي ترسم الثوابت!

المشكلة ليست في أن كلام الأغلبية سيُنفذ فقط، المشكلة أن الديمقراطية تدعي أن ما اختارته الأغلبية يجب أن يتم احترامه، وتعتبره الأصلح والأصوب والأفضل!! وهو ادعاء ينسفه الواقع، وينسفه التاريخ، بل وينسفه قول الله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه)

وبذلك تعرف أن من يقول لك أن الديمقراطية هي الشورى فهو جاهل لا يعرف لا الديمقراطية ولا الشورى!

التقدم والتطور في النظام السياسي في الإسلام:

إن المجتمع الذي يجعل الحق قيمته العليا سيتقدم حتما في الاتجاه الصحيح، وسيستفيد باستمرار من أخطائه وسيظل في تصحيح دائم لها، فبحسب القيمة التي تسود في المجتمع تستطيع أن تتنبأ بمستقبله، فمثلا المجتمعات الغربية التي تبنت الديمقراطية كقيمة مثالية سنجد أنها تطورت بصورة كبيرة في المهارات الانتخابية، لأن الانتخابات هي ميدان التنافس في الأنظمة الديمقراطية، والمتنافسون بحاجة دائمة إلى تطوير إمكانياتهم، ولذلك تطورت هذه المجتمعات في وسائل الدعاية والميديا، وفنون الخطابات ولغة الجسد، كما تطوروا في كيفية التأثير على الجماهير وكيفية اكتساب مهارات الإقناع وتوجيه العقول ولو بالخداع، أي يمكن تلخيص كل ما سبق في جملة واحدة: (إتقان فنون النَصْب على اختلاف أنواعها) !! .. بينما في المجتمع الذي سيتبنى قيمة الحق فإن الوضع فيه مختلف، فالحق لا سبيل للوصول إليه بدون العلم والبحث والاجتهاد.

وهذا هو السر وراء الثورة العلمية الكبرى والتطور المعرفي الهائل الذي حدث في عصور الأمة الأولى، حتى صارت أمة علم وبحث وتصنيف واجتهاد، بل لقد عظم شأن الاجتهاد فيها جدا حتى سمي هذا العصر من تاريخ الأمة"بعصر المجتهدين"، لقد بلغت الأمة من الاجتهاد العلمي ما مكنها من استحداث وإنشاء علوم جديدة ليس لها مثال سابق، ولم يكن هذا في مجال واحد بل في مجالات شتى من مجالات العلوم الدينية والدنيوية، فعلى سبيل المثال دفعت الحاجة لمعرفة الحق من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنشاء علم لم يعرف البشر مثله من قبل وهو علم"الحديث والإسناد"لقد صار فنا متميزا له قواعده الدقيقة واصطلاحاته الخاصة وتراثه المتراكم وعلماؤه المتعاقبون الضابطون وقد وضعوا منهجية بحث يعجز الكلام عن وصف دقتها، منهجية تمكن كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت