فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 117

وهنا ننتقل للحديث عن أول شيء يتبادر للأذهان عندما نتكلم عن النظام السياسي في الإسلام وثوابته، وهو موضوع (الحدود) فهي قضية تشغل أذهان الكثيرين!

الحدود في النظام السياسي في الإسلام:

لا يمكن لأحد يؤمن بالقرآن أن ينكر وجود الحدود، وإذا تأملت الحدود في النظام السياسي في الإسلام ستجدها تتعلق بالجرائم المجتمعية أو ما يسمى فقها"الجنايات"، فهي جرائم فيها جناية خطيرة تجاه الآخرين أو فيها جناية على الدين والمجتمع معا كالردة المعلنة، فمثلا: (الزنا العلني الذي يشهد عليه أربعة فأكثر والاغتصاب - والسرقة بصورتها المذكورة - والقذف المعلن للأعراض - والسكر العلني - الحرابة - إضافة إلى القتل العمد) كل هذه جرائم مجتمعية خالصة، وليست ذنوبا شخصية، فالذنوب الشخصية والتي لم تبلغ حد الاستعلان والظهور ولم تدخل في حيز المساس بالمجتمع ككل لن تجد فيها حدودا، والأصل فيها الستر كما ستر الشخص فيها نفسه، ولا يصح التنقيب عنها ولا تتبع عورات الناس فيها، فالمجتمع المستقيم يجب أن يُبنى على الخوف من الله لا الخوف من الحدود، وإنما العقوبات لمن نشز وشذ عن هذا الأصل وأصبح مستعلنا بفسقه وفجوره ومعتديا على حقوق الناس.

جاءت الحدود بهذه الصورة القاسية التي قطعا تهز النفس لأن المقصود منها بالأساس الردع والوقاية وأن يمتنع الشخص عن الجريمة من البداية، وليس المقصود منها العقوبة بعد الجريمة فقط، فالحدود وقاية قبل أن تكون علاجا، وكأنها ترسم بصورتها القاسية إطارا من نار حول المجتمع، وتضع خطوطا حمراء بارزة لمن انحطت نفسه وفجرت وانعدم فيه كل معاني الدين والمروءة والأخلاق لتقول له: إذا لم تضع أي اعتبار لأي شيء، فهناك مانع قاس كبير يمنعك من جريمتك وهي الحد الذي ينتظرك فلا تقترب من هذه الجريمة وعُد إلى رشدك، فإن لم يكن خوفا من الله فخوفا من الحد القاسي على الأقل! ولذلك فالمقصود فعلا أن تكون الحدود بتلك الصورة القاسية، وكونها تثير اشمئزازا في النفس ونفورا فطريا فهذا غرضها وهذا المقصود منها، والذي يصر بعد كل هذا على فعل جريمته تجاه المجتمع فهو شخص لم يردعه أولا خوف من الله، ولا خوف من الناس، ولا نفع معه أمر بمعروف ونهي عن منكر، ولم يضع أي اعتبارات لأخلاق أو مروءة أو ضمير، ثم لم يردعه الخوف الفطري الطبيعي من إقامة الحد القاسي عليه في الدنيا، فهو إذن يستحق الحد بلا رحمة ولا رأفة، وليكون عبرة لمن بعده، فتلك نفسيات شاذة خطيرة جدا في المجتمع، بل هذا والله الخير له هو نفسه ليقيه الحد شر نفسه في الدنيا قبل أن يذوق وبال الآخرة!

هناك محاولات دائمة لإظهار الحدود بصورة ساذجة، حتى ظن البعض أن أي اثنين سيذهبون للشهادة ضد أي أحد فسيُقام عليه الحد!!، هكذا بهذه البساطة والسذاجة!!! وكأنه من السهل أن يُقام الحد على أي أحد!! وبالطبع هذا ظن لا علاقة له بالواقع ولم يحدث في تاريخ المسلمين قط ولا حتى في أكثر عصور التدهور الديني! ومن له بعض الدراية الفقهية يعرف كيف أن إقامة الحدود ليست بالأمر السهل مطلقا ولا الهين!!!، فإثبات التهمة على الشخص ليست بهذه السهولة ولا السذاجة، بل قد تجدها أصعب بكثير من إثبات التهم الموجود في المحاكم الوضعية اليوم، ومناقشة الأدلة الجنائية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت