فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 117

الموجود ينوي أن يحكم بمنهج حكمٍ صحيح ويريد الإصلاح أم أنه نظام تتلاعب به الأهواء والأغراض الشخصية، فإذا ابتدأ الحاكم حكمه بحفظ الثوابت فهي دلالة خير على اتباعه سياسة تحقيق الأصلح في المتغيرات على النحو الذي شرحناه من الشورى والاجتهاد، وإذا ضيع الثوابت فهو للمتغيرات أضيع؛ فلن يقيم فيها شورى ولن يكون للبحث العلمي الصادق مكان بل سيكون الموجود هو الهوى والاستبداد فقط، ومن لم يكن فيه خير لحق ربه فكيف ننتظر منه الخير في حق الناس والشعب! ولذلك كان تضييع هذه الثوابت ناقضا للحكم فاسخا لعقد الولاية مستوجبا للخلع الفوري.

إن التسليم لثوابت الإسلام الحاكمة هو المعنى الوحيد لكلمة"إسلام"، فالإسلام هو الاستسلام الكامل والخضوع لله، وقد قال الله عز وجل:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) .. والخيرة: أي الاختيار، ولاحظ كيف جعل الله التخلي عن الثوابت سببا للضلال المبين، بكل ما تحمله هذه العبارة من معاني الضياع وفقدان الأصلح والشقاء الدنيوي ثم الأخروي.

وقال تعالى:- (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) فالله مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن البعض صفة الإيمان حتى يحكّموا النبي صلى الله عليه وسلم ويرضوا بحكمه ويسلموا له تسليما كاملا.

وفي نفس المعنى قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا) فقد جعل إيمانهم زعما أي حكم عليهم بعدم الإيمان لكونهم يريدون تحكيم غير الشرع فيما ثبت للشرع حكم قاطع فيه.

والحق في الإسلام هو الذي يحدد الشرعية، فلا شرعية لشيء يخالف الحق، وسلب الشرعية من الحق وإعطاؤها لأي مصدر آخر غير الحق هو عين الخلاف الذي وقع بين الإسلام والجاهلية الأولى، فقد اختلف كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم حول الشرعية، فالنبي يحدثهم عن شرعية الحق الذي جاء به الوحي وهم يحدثونه عن شرعية ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، قال تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَيَهْتَدُونَ) .

وبذلك نرد على من يرفض الحق بدعوى أن الأغلبية يريدون شيئا آخر، سنقول لهم: أوَلو كانت الأغلبية لا تعقل شيئا ولا تهتدي!!، إن الحق سيظل هو الحق الذي له الشرعية حتى ولو أرادت الأغلبية خلافه، وإن الباطل سيظل هو الباطل ولا شرعية له حتى ولو أرادته الأغلبية، هذا هو منهاج المسلم وعقيدته التي يجب أن يلقى بها ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت